جديد الموقع

غزو عفرين واحتلالها، عمل دؤوب على طمس هوية المنطقة وثقافتها
هوزان باديني

مجلة الحوار – السنة 25 – العدد 72 – 2018م

جميع الحروب التي خاضتها الدولة التركية ضد الكُـرد، لم تكتفي بارتكاب المجازر والجرائم والانتهاكات وتدمير القرى والمدن، بل تعدت إلى محاولات اقتلاع مجتمعاتهم المحلية من جذورها التاريخية وتجريدها من ثقافتها ولغتها وتبديد نسيجها، بمختلف الأدوات والأساليب، فغزو منطقة عفرين (كرداغ) واحتلالها من قبل حكومة أنقرة، يتعدى مسألة انتهاكات وارتكاب جرائم وسيطرة جغرافية ولعب أدوار سياسية، إلى العمل على فصل المجتمع الكردي فيها عن هويته التاريخية واللغوية والقومية، وتغيير ما أمكن من ثقافة المنطقة وتبديد ميراثها الحضاري وإفراط ممتلكاتها وقدراتها التنموية.

غصن الزيتون

للزيتون وشجرته رمزية في الأديان السماوية، وفي ثقافة شرق المتوسط عموماً، وفي قلوب الملايين من الكُـرد خصوصاً، كدلالة على ابتغاء المحبة والسلام، وتُعد في تراث عفرين وسيكولوجية إنسانها قصة عشق أبدية، وما إطلاق اسم «غصن الزيتون» على عملية عسكرية عنفية عدوانية ضد منطقة آمنة وآهلة بالسكان والنازحين، إلا استفزازاً لهم، وبهتان وفجاجةً بحق الأخلاق، والثقافة السمحاء، وتآخي الشعوب.

الرموز والأعلام

لدى دخول الجيش التركي برفقته مسلحون متطرفون إلى مدينة عفرين، يوم الأحد 18 آذار 2018، والذي سمي بيوم الجراد نظراً لقيام ألوف منهم بتعفيش المحلات والمنازل والمستودعات والسيارات والجرارات والآليات وسرقتها كالجراد… كان الحدث الأبرز، هو إطلاق وابل من الرصاص على تمثال «كاوا الحداد» في دوار المدخل الشرقي للمدينة، بينما العناصر يبتهلون بالتكبيرات وشعارات النصر على «الأكراد»، وهم يهدمونه بواسطة جرافة.

«تدمير تمثال كاوا- عفرين 18 آذار 2018 »

فكان تدمير تمثال «كاوا الحداد» إساءة لعموم الكُـرد على وجه البسيطة، لأنه يُشكل رمزاً قومياً تاريخياً لهم، بل هو رمزٌ لجميع الشعوب التي تحتفل بيوم نـوروز- اليوم الجديد (عيد الربيع)، كاوا هو الذي أشعل ناره وأضاء نوراً للخلاص من الطاغية وإعلان الحرية للجميع.

كما تم تدمير نُصب دوار الوطني، ونُصب للزعيم عبد الله أوجلان في جبل زعرة، وتمزيق مئات صور الشهداء والرموز في شوارع القرى والبلدات المختلفة.

نُشر مقطع فيديو بتاريخ 25/2/2018، يظهر فيه مسلحون يقومون بوضع العلم القومي الكردي تحت أقدامهم ويرفعون شارة «الذئاب الرماية» التركية، وهم يطلقون التكبيرات، ومقاطع فيديو أخرى تُظهر تدنيس وحرق رايات وحدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ ورايات أحزاب وحركات كردية، وفي صورةٍ منشورة يدوس مسلح على صورة بإطار للرئيس مسعود البارزاني.

وقد تم رفع العلم التركي على مبانٍ ومآذن جوامع ومزارات ومدارس وفي ساحات ومواقع لها رمزيتها التاريخية والثقافية، وعلى مقرّات إدارية وعسكرية، في إشارة واضحة إلى نية تتريك المنطقة وطمس هويتها وتغيير خصوصيتها القومية.

الآثار التاريخية

أثناء الحرب على عفرين تبين جلياً، مدى الاستهداف المتعمد لمواقع أثرية تاريخية (عيندارا، هوري، تقلكه، سمعان، براد، تل جنديرس…)، بغية تخريبها وإزالة معالمها ومحاولة شطبها من صيرورة حضارات المنطقة، ومن سجل إرثها الإنساني.

«معبد عيندارا قبل وبعد القصف التركي »

لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا والتابعة للأمم المتحدة، أدرجت ضمن تقريرها الصادر في 9 آب 2018، والذي قدمته في الدورة التاسعة والثلاثون لمجلس حقوق الإنسان، 10-28 أيلول/سبتمبر 2018، فقرة عن تعرض موقع تل عيندارا الأثري لعمليات قصف، في 21 كانون الثاني 2018، و»الذي يبعد أقل من كيلومترين عن قرية عين دارا و10 كيلومترات عن مدينة عفرين. وألحق الهجوم ضرراً بالموقع الخاضع لحماية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ”اليونسكو”، بما في ذلك مدخل الموقع والبهو الرئيسي فيه». إذ تضررت معالم المعبد القيمة بشكل كبير، منحوتات وأسُود من الحجر البازلتي أصبحت ركام بفعل القصف.

لم يكن فوق تلة المعبد أية آلية أو مبنى عسكري أو مدني، ولم تكن حولها منشآت أو مواقع عسكرية، حتى يتحجج الجيش التركي لتبرير قصفها.

وقالت الباحثة ختام غبش[1]: «عين دارة موقعٌ جديد يضاف إلى قائمة المواقع التي شهدت الأيام الأخيرة مجزرة بحق الحجارة والقدسية التي وسمت المكان… لن يتسنى للأجيال القادمة للأسف رؤية بعض أجزائه الفريدة التي دُمرت إثر الحملة العسكرية التركية على عفرين».

ونشر المرصد السوري لحقوق الإنسان مقطع فيديو بتاريخ 2/10/2018، يُظهر بالصوت والصورة، عملية سرقة آثار في موقع نبي هوري الأثري التاريخي.

وفي شهر كانون الأول 2018 تعرضت تلتان تاريخيتان قرب قرية كمروك لعمليات تجريف تربة وقطع أشجار باستخدام آليات ثقيلة، بحثاً عن الآثار وسرقتها، تحت أعين الجيش التركي.

كما تم تجريف سفح جبل بلال- راجو لأجل إنشاء قاعدة عسكرية، وعلى الأرجح أن آثاراً تاريخية قد تعرضت للإضرار والعبث إلى جانب الأضرار التي لحقت بحقول الزيتون والعنب.

هذا وقام العناصر المسلحة ولا يزال باستخدام أجهزة الكشف عن الألغام وأدوات أخرى عديدة في البحث عن الآثار والمعادن الثمينة وسرقتها، في أجواء من الفلتان والخوف، لا يتمكن فيها المدنيون من الاعتراض ومحاولة المنع أو تقديم شكاوى لدى سلطة ما.

اللغة الكردية وأسماء القرى

أية سلطة احتلالية، تجد بوابة قطاع التربية والتعليم مدخلاً أساسياً في تغيير ثقافة وسلوكيات المجتمعات المحلية، وما عُرف تاريخياً عن الأنظمة المضطهِدة للكُـرد وخاصةً الحكومات التركية المتعاقبة، هو إنكارها لوجودهم ومنع تداول لغتهم الأم، ورغم النزاع الدموي المديد والخسائر الجمة التي لُحقت ولاتزال بتركيا عموماً، وتبلور قضية الكُـرد الذين يقارب تعدادهم فيها /20/ مليون نسمة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، لم تقتنع بَعد حكومة أنقرة وبرلمانها العتيد من الاعتراف على الأقل باللغة الكردية رسمياً وفتح المجال لتعليمها ودعمها؛ فليس مستغرباً لدى دخول الجيش التركي إلى عفرين أن يلجأ عبر أدواتها إلى إزالة كل ما يمت بصلة إلى الكردية.

فكانت الخطوة العاجلة هي إزالة العبارات المدونة باللغة الكردية عن لوحات دلالة على واجهات مؤسسات ومباني إدارة ومدارس ومشافي، حيث نرى مشفى الشفاء -عفرين بدلاً عن مشفى آفرين Avrîn. كما تم تغيير اسم دوار «كاوا» إلى دوار «غصن الزيتون» و دوار «نوروز» إلى «دوار صلاح الدين الأيوبي» ودوار «وطني» إلى «ساحة الرئيس رجب طيب أردوغان» في مدينة عفرين.

وتم تغيير أسماء قرى وبلدات، مثل «كوتانا» إلى «ظافر أوباسي» و «قورنه» إلى «أوندر أوباسي» و «قسطل مقداد» إلى «سلجوق أوباسي».

في ظل الإدارة الذاتية، كانت المناهج الابتدائية والاعدادية والثانوية تُعطى في أكثر من /300/ مدرسة باللغة الكردية، إضافةً إلى معاهد تخصصية وجامعة، تُعطى المناهج فيها بالعربية والكردية، وكذلك طباعة كتب ومنشورات ومجلات كردية، ولكن المدارس في ظل الاحتلال وواقع التعليم بحالة مزرية[2]، ولم تنفذ سلطات الاحتلال وعدها بمنح أربع حصص دراسية في الأسبوع للغة الكردية، من الصف الأول إلى الثاني عشر، ولم تعمل على تأمين كتبها، رغم تسليم كميات كبيرة لبقية المواد واللغات.

وكذلك تم تدمير عشرات المدارس جزئياً أو كلياً، أو تحويل بعضها لمقرّات عسكرية، وإفراغ المدرسة الصناعية المهنية والجامعة والمعاهد والعديد من المدارس من تجهيزاتها وسرقة محتوياتها بالكامل. فلم تُفتتح المعاهد والجامعة والكثير من المدارس هذا العام، مما أفقد عشرات آلاف الطلاب استكمال تحصيلهم العلمي.

المزارات والمقابر

الأمر الذي يكشف عن حقد دفين مزروع في نفوس أولئك العناصر المسلحة المتطرفة ومأموريهم من الجنود الترك، هو قيامهم بتحطيم شواهد قبور مكتوب عليها باللغة الكردية، مثل ضريح الشهيد بشير محمد في جنديرس، وقبر السيدة سولية عبدو مصطفى في قرية مه مالا، وقبر السيدة زلوخ خليل إبراهيم في قرية قورت قلاق.

الطيران والمدفعية التركية قصفت وهدمت بشكل متعمد مقابر(الشهيد رفيق في قرية متينا، الشهيد سيدو في بلدة كفرصفرة، الشهيدة آفستا في قرية كفرشيل)، حيث تعرضت فيها منصات الاستقبال والنصب التذكارية ومباني الإدارة والساحات أيضاً للهدم والتخريب. إضاقةً إلى قصف وتخريب مقابر متوفين مدنيين، في قرية سنارة- شيه وموقع قوربي – جنديرس، وكذلك العبث بضريحي الدكتور نوري ديرسمي- الشخصية الثقافية والسياسية المعروفة-وزوجته فريدة في مقبرة زيارة حنان.

«تدميرمقبرة الشهيد سيدو-كفرصفرة »

وتم استهداف مزارات دينية والعبث بجوامع ومزارات علوية وإيزيدية ونبش بعضها وسرقة محتويات بعضها، مثل قصف مزار عبد الرحمن قرب قرية كاني كاوركي بتاريخ 16/2/2018.

كل ذلك في إطار سياسة تبديد ثقافة المنطقة وإزالة معالمها وزعزعة ارتباط أهاليها بجذورهم.

معتقدات الإيزديين والمسيحيين

عبر مئات السنين تقلصت أعداد الإيزديين في منطقة عفرين، بسبب دخول الكثيرين منهم للدين الإسلامي مكرهين أو مرغمين، وبسبب الهجرة أيضاً، حيث كان تعدادهم بداية العقد الحالي يقدر بـ /25/ ألف نسمة، وهم يقطنون في أكثر من /20/ قرية وفي مدينة عفرين أيضاً.

إثر العدوان ونزوح الأهالي عموماً، أُفرغت بعض القرى الإيزيدية تماماً من سكانها، مثل قرية قسطل جندو وبافلون، وانخفض وجودهم، ورغم ذلك تعرضوا ولا يزالوا لمضايقات مختلفة، والاستهزاء بمقدساتهم ومعتقداتهم علانية، وإجبار البعض على ارتياد المساجد. في وقتٍ يُحظر فيه عليهم ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية، وهم لا يجرؤن على البوح عن دينهم، وقد تعرض البعض منهم للقتل أو الاختطاف والاعتقال والتعذيب.

أما المسيحيون، رغم قلة أعدادهم، فكان لهم كنيسة في مدينة عفرين ورعاية رسمية من مرجعيات دينية، وقد تعرضت للسرقة، ونزح المشرف عليها من المنطقة، كما كانت قلعة سمعان وموقع مارمارون في قلعة براد وجهةً دينية وسياحية للمسيحيين عموماً، إلى أن أصبحت ضمن دائرة الخطر تحت سيطرة فصائل راديكالية إسلامية.

إن الإيزيديين والمسيحيين كانوا يتمتعون بحرية ممارسة معتقداتهم في ظل الإدارة الذاتية ولهم مؤسساتهم، ويشكلون جزءاً مهماً من ثقافة المنطقة وتنوعها، ولكن الفصائل الجهادية المسلحة تُشكل تهديداً خطيراً على حياتهم وثقافتهم.

الثقافة العامة

ما يسعى إليه الجيش التركي وأعوانه هو فرض واقع جديد ضاغط وثقافة مغايرة على الكُـرد في عفرين، بل ومحاولة طمس ثقافتهم.

بينما الغالبية العامة في عفرين من المسلمين السنة، ولكن لا مكان للتطرف الديني أو التعصب الفكري بينهم، والمجتمع عموماً مدني ومنفتح، ومتحرر من القيود العشائرية والعائلية والعادات والتقاليد البالية إلى درجة عالية، ومتنوع دينياً ومذهبياً وسياسياً، وللمرأة بينه مكانة لائقة.

ولكن بعد الاحتلال، انكفأ المجتمع (المتبقين) على نفسه، تجنباً للاحتكاك مع التكفيريين، ودرءًا لإهانات أو مضايقات قد يتعرضون لها، وهو يعيش حالة من الأسى، فلم يعد هناك أعراس أو أفراح في المناسبات والأعياد كالمعتاد، ولم تعد المرأة تظهر خارج المنزل إلا للضرورة وباللباس الشرعي مرغماً، حيث هناك دعوات عديدة بيافطات شوارع وعبر أئمة بعض المساجد لفرض الحجاب.

ولم تعد مقاصف التنزه خارج المدينة وصالات الأفراح تفتح أبوابها، وأغلقت معاهد الموسيقا والفن التشكيلي ومراكز إيواء المعاقين واليتامى والصم والبكم أبوابها، بل وهجر طلابها ومدرسيها قسراً، فلم تعد تجد فتاةً أو شاباً يحمل آلةً موسيقية على كتفه وهو يسير بحرية في شوارع عفرين.

أصبح هناك محلات بيع الأسلحة والطلقات النارية بدلاً عن محلات بيع الآلات الموسيقية وكاسيتات الغناء والفن.

لم تعد هناك جرائد سياسية تُطبع وتوزع، أو مكاتب أحزاب ورايات كردية، ولم تعد هناك ندوات سياسية أو ثقافية أو مهرجانات شعر كردي وأفلام قصيرة، أو منتديات ومسرحيات.

وإذا كان لدى أهالي عفرين قبول تام للمدارس المختلطة بين الجنسين وعلى كافة المستويات، على عكسهم، خرجت عدة تظاهرات من الوافدين، تُطالب السلطات المحلية بالفصل بينهما.

وإذا كانت الثقافة السائدة في عفرين تعتني بالغابات والأحراش والأشجار المعمرة خاصة وتحميها، وكان الناس يتخذون منها مصايف وأماكن للراحة والتبرك أحياناً، فإن المسلحين وأعوانهم قد أحرقوا بعضها أو قطعوها عمداً، في جريمة بحق البيئة وتلك الثقافة.

وإذا كانت أجواء عفرين عموماً أثناء الإدارة الذاتية متسمة بالأمان والاستقرار، وخالية من المظاهر المسلحة والفوضى، فإن المحتلون جلبوا معهم جميع مظاهر الفلتان وحمل واستخدام السلاح وفرض حالة من الفزع، إلى جانب نزعات شوفينية واستعلاء وكراهية نحو الكُـرد، الذين يتلمسون ويتعرضون لها يومياً.

وإذا كان الكُـرد قد ثابروا على حماية الممتلكات العامة والبنى التحتية والحفاظ على النظام العام والبيئة والنظافة، فإن غزاة العصر قد مارسوا أسوأها.

وإذا كان الكُـرد قد تفانوا في الزراعة والصناعة والتجارة والصرافة والعمران وعملوا على تطويرها رغم الصعاب، فإن المتطفلين المتحاملين قد عاثوا فيها فساداً وخراباً.

وإذا كان الكُـرد في عفرين، نساءً ورجال، قد اعتادوا الذهاب إلى سوق البازار كل يوم في الأسبوع، الأربعاء في مدينة عفرين منذ أكثر من /90/ عاماً، وفي مراكز النواحي وبعض البلدات الكبيرة، للالتقاء وشراء الحاجيات والمأكولات والبضائع، ببهجة وسرور، لم يعد هناك بازاراً واحداً في ظل حالة الفوضى والفلتان وفقدان الأمان.

الفكر التركي المتعصب

لم تكن الحملة التركية بمعزل عن الفكر التركي المتعصب، الذي عبر عنه أتراك ومع الأسف عربٌ مشاركون، برفع شارة الذئاب الرمادية، التي اعتمدها ألب أرسلان توركيش لدى تأسيس منظمة متطرفة باسم «حركة الشباب المثالي» أواخر ستينات القرن الماضي، وهي تدل على نزعةٍ تركية قومية متعصبة.

انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي صورة لجندي تركي بيده علماً تركياً، وهو يعتلي مبنى في بلدة راجو كُتب على جداره باللغة التركية «لا أعرف من حرق روما، أما راجو فنحن أحرقناها»، في إشارةٍ إلى رغبةٍ دفينة لسحق المنطقة وأبنائها.

كما نشرت وسائل إعلام تركية وثيقة عثمانية تُشير إلى أن تركيا لم تتخلى عن عفرين يوماً، وعلى أنها كانت جزءاً من مخطط «الميثاق المللي لعام 1920».

وفي أوائل تموز 2018، زعمت وسائل إعلام تركية على لسان أحد (مؤرخيها)، أن الجيش التركي اكتشف منزلاً في راجو، اتخذه مصطفى كمال أتاتورك مقراً له إبان الحرب العالمية الأولى عام 1918، في مواجهة البريطانيين وحقق نصراً عليهم، وذكرت وكالة الأناضول أن والي أنطاكية (هاتاي) قد قرر ترميم المنزل وجعله متحفاً. علماً أن المنزل عائد لـ حنيف آغا في بلدة حج خليل التابعة لناحية راجو، وتعمَد المسلحون إضرام النيران فيه ونشر صور تذكارية لهم بجانبه، ولربما قد استحل أتاتورك فيه ضيفاً.

وأصدر الكاتب التركي أنس دمير، كتاباً بعنوان «غصن الزيتون» تيمناً بالعملية التركية، يتحدث فيه عن تبعية عفرين للإدارة التركية حتى عام 1921، ويشير إلى (استيطان قبائل تركمانية في المدينة منذ القرن الحادي عشر)، ويعتبر الكاتب، أن عفرين ميراث تركي[3].

مسوغات دينية

حزب العدالة والتنمية AKP بقيادة رجب طيب أردوغان، وبمساعدة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ولفةٍ من علماءٍ مسلمين؛ قد حشد طاقات كبيرة في إطلاق مسوغات دينية، لتبرير وإنجاح عمليته العسكرية ضد عفرين تحت مسمى «غضن الزيتون».

باسم (الجهاد والثورة) جمع حشود من المرتزقة[4]، وهم عناصر في فصائل سورية مسلحة متطرفة تعمل تحت أمرة أنقرة.

حزب العدالة، أعطى أهمية استثنائية لوزارة الشؤون الدينية «ديانت» في توسيع نشاطاتها ونطاق عملها، لأجل السيطرة على مفاصل المجتمع والتحكم بالوضع الداخلي والغلبة على معارضيه والفوز في الانتخابات، كما ويشغلها في ساحاتٍ خارجية بفعاليات متشعبة.

فقد أمرت «ديانت» /90/ ألف مسجد، عشية الهجوم على عفرين لتقيم الصلوات والدعاء للجيش وقراءة سورة الفتح، كما تخصص «ديانت» بميزانية مالية كبيرة لإعادة تأهيل المساجد وتدريب الأئمة لأجل غسل الأدمغة ونشر الثقافة العثمانية الإسلامية الجديدة والأفكار الدينية والاجتماعية والسياسية التي تقوم عليها حكومة أردوغان في مناطق شمال سوريا.

لم يتردد الحزب في تجنيد شخصيات دينية غير تركية ومن جنسيات مختلفة في أجنداته، ومثالاً على ذلك الدكتور مصطفى مسلم رئيس جامعة الزهراء في عنتاب، وهو من كُـرد كوباني، والذي صرّح لوكالة الأناضول عبر مقطع فيديو، بتاريخ 4/6/2018، عقب حضوره دعوة إفطار من الرئيس أردوغان في مدينة ديار بكر، وقال: «يجب على الكُـرد عموماً في هذه المرحلة الوقوف خلف أردوغان… عفرين بحاجة لاستيقاظ أهاليها، منذ ما يقارب 60 عاماً، العفرينيون يسيرون في الطريق الخاطئ، الشيوعية في أول ظهورها في سوريا، ظهرت في عفرين؛ لم يكن هناك رجال دين وشيوخ يعلمهم الدين الإسلامي، الآن نطالب بمنحنا الفرصة، مشايخ كُـرد سوريا، لنذهب إلى عفرين ونعمل على الارشاد، لنَصحوهم ونشعرهم على العودة إلى الإسلام، إن شاء الله سيعودون… منذ 100 سنة كنا بعيدين عن الإسلام، الآن نحن في مرحلة الصحوة، والمستقبل للإسلام، وينبغي للإسلام أن يحكم، ومن يقف في وجهه سيزال… يجب على تركيا أن تتحضر لرئاسة وقيادة العالم الإسلامي، وهي مهيأة لها».

وما دامت نخبة دينية إسلامية معارضة (المجلس الإسلامي السوري[5]) أصدرت فتوى مؤيدة لعملية (غصن الزيتون)، متضمناً أحكام عامة عن التعامل مع الأسرى والسلاح والغنائم والنساء والشيوخ والأطفال والطعام، فلا يجد المسؤولون الشرعيون في الفصائل المسلحة ورجال دين العدالة والتنمية حرجاً أو غضاضة عن إصدار فتاوى فرعية وتوسيع قاعدة المحلل وبالتالي التعامل مع الكُـرد وكأن كلهم كفاراً.

خلاصة:

إن الحملات الإعلامية المسنودة بتحشيدات دينية إسلامية وقومية تركية-عثمانية، وإسقاطاتها على واقع المجتمع والجغرافيا في عفرين، ونشر ثقافة العنصرية والكراهية والتطرف الديني والمذهبي، وإطلاق نعوت تحقيرية على الكُـرد كـ «الخنازير والملاحدة والكفار»، إلى جانب وصفهم بـ «الانفصالين»، ما هي إلا محاولات لتبرير العدوان على المنطقة والمجتمع (ناقصي الدين والإيمان) واضطهاده وقمعه، والانتقام من طابعها الاجتماعي المنفتح ونسيجها المتآلف، وإجراء تغيير ديموغرافي كبير فيها، بغية طمس الوجود والحضور الكردي في شمال سوريا عموماً، خدمةً لأحلام تركيا- أردوغان وباهتجلي في استرجاع ما أمكن مما يعتبرانه ميراثاً عثمانياً، عفرين نموذجاً، وليس من أجل سواد عيون أبناء شعوب سوريا ومصالحهم.

علاوةً على مخالفة الاحتلال التركي في منطقة عفرين الكردية- السورية اتفاقية لاهاي 1907 واتفاقيات جنيف الأربع 1949، فإنها تضرب عرض الحائط أيضاً اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح 14 أيار/مايو 1954، والتي تنص في مادته الخامسة على وجوب اتخاذ كافة الإجراءات لوقاية وحماية الممتلكات الثقافية في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها.

———————————–

[1] مقال بعنوان « وطن… بالعين المجردة: معبد عين دارة ضحية أخرى للحرب السورية”، موقع صالون سوريا 26 شباط 2018، ختام غبش- باحثة وآثارية سورية.

[2] تقرير بعنوان « مدارس عفرين بين الواقع المزري وما هو مأمول”- 29/9/2018، المكتب الإعلامي – عفرين/حزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا.

[3] تقرير بعنوان (منزل أتاتورك ومدينتا الباب وعفرين… “مسامير جحا” التركية في سوريا)، 16/7/2018، عنب بلدي، جريدة سورية معارضة.

[4] المرتزق، مصطلح قانوني، وهو أي شخص يجرى تجنيده محلياً أو في الخارج، ليقاتل في نزاع مسلح أو يشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية، مقابل أجر مالي، خاصةً إذا كان مع جهة خارجية ضد البلد وأبنائه، حيث نص عليه اتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949، واعتمدت الأمم المتحدة في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 1989 الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم.

[5] (حكم قتال قسد/قوات سوريا الديمقراطية) – رقم الفتوى /11/- تاريخ 26 شباط 2018، مجلس الإفتاء- المجلس الإسلامي السوري.