جديد الموقع

في الآفاق يُسمع صدى ندائهم…د. بنكين حمزة*

كنتُ رافعةً صورة زوجي بيد وأحمل طفلي الرضيع في اليد الأخرى، الذي ما رآه والده، ويسير معي طفلاي الآخران، وننادي بحماية عوائلنا من التشرد وبيوتنا من النهب والسرقة والدمار وحماية مدارس أطفالنا، في مسيرةٍ حاشدةٍ في  مدينة قامشلو، في لوحة هي الأنقى والأصدق، لا تُكاد تخلو من الدموع والحزن, للحظةٍ نسيتُ معاناتي وبؤسي عندما لاحت أمام ناظريّ صورة مقبرةٍ مدمرةٍ، اقتربتُ منها إذا بامرأة قد تجاوزت العقد الخامس من عمرها تحمل تلك الصورة بيد وصورة شابّ وسيم في يدها الأخرى، دون مقدمات سألتها عن حالها، بكت وقد بادرتني بسؤالٍ هي كالأخرى: أهذه صورة زوجك؟ وهؤلاء أطفاله؟ أومأتُ برأسي نعم, إنها تحدثني بلهجة مدينة الزيتون والسلام، وتنهّدت قائلةً بعيونٍ دامعةٍ: إنّ هذه الصورة لوحيدي وهذه صورة مقابرهم التي دمرها الاحتلال التركي ومرتزقته, وحيد! وهل يلتحق الوحيد بالعسكر وكيف وصلتِ قامشلو؟، سألتها دون تفكير, جاوبتني بكلمات تخنقها العبرات، يا بنيّتي: ولدي كان متزوجاً، كان له طفل، وكانت زوجته حامل حين وردنا نبأ استشهاده، وهو خريج الهندسة الميكانيكية من جامعة حلب، وكان قد حضّر رسالة الدكتوراه بعد نيله شهادة الماجستير، ولم تسعفه هذه الأزمة بنيلها، وعاهد نفسه بألا يبرح وطنه، ولا يحمل سلاحاً قط، ولكن عندما تعرّضت مدينته للعدوان، أسدى خدماته لوحدات حماية الشعب والمرأة بالمجان، ولم يرض أن يتقاضى حتى راتباً بسيطاً، فحالته ميسورة، وقد ورث مئات من أشجار الزيتون عن أبيه، لقد خُطف وهو في طريقه إلى قريته بعد وشايةٍ رخيصة، وعثرنا على جثته بعد أيام من خطفه في مفرق قريتنا, مدينتنا ما عرفت استقراراً أو تطوراً اقتصادياً أو عمرانياً على مدى عقود طويلة، بقدر ما شاهدته في هذه السنين, فما راق ذلك لحكومة العدالة والتنمية، وأبت إلا أن تحيلها ركاماً، بتصفيق بعضٍ من أبناء جلدتنا الذين وعدوا بتحريرها من (عصابات الـ P Y D  والوحدات)، على حدّ زعمهم وتناسوا أنّ تركيا لن تقبل بخيمةٍ كرديةٍ في جنوب القارة الإفريقية، كما صرّحوا قبلاً, أو كما قال بايديمر: لو أنّ الله تعالى يُطالب الكُـرد بإنشاء كيان أو نظام خاص بهم في الفضاء الخارجي، لاعترضت تركيا على المشيئة الإلهية, فكيف لبعض أبنائنا يصفقون لتركيا؟ وكيف لمن يمتلك ذرة وطنية أن يصفّق لمحتل وطنه؟ أمّا عن وجودي هنا، عندما أتتنا قافلة الحياة لا الموت كما سمّاها البعض، فهي أرادت الحياة، تلك القافلة التي شغلتنا عما يجري لنا، حيث تعرّضت للقصف ليلاً وفي صبيحة اليوم الثاني، وبينما نحن نتابع أخبارها، رُنّ جرس الباب، فتحتُ الباب، إذا بفرهاد صديق ولدي من أيام الدراسة، وهو من قامشلو، واقفٌ أمامي، تسّمرتُ فابتسم مقبّلاً يدي ويسألني عن صحتي، قبّلتُ رأسه ووجهه وبكيت، دخل البيت يسألني ما الأمر؟ آهٍ يا ولدي، لقد استشهد أخوك شيرو قبل أسبوعين، فارتمى في حضني باكياً منتحباً ،هذه الحرب فرقتنا يا أمّاه، لا كهرباء ولا تغطية ولا انترنيت, كيف استشهد ونحن قد عاهدنا بعضنا بعدم الهجرة وحمل السلاح, أجلسته وسردتُ له الحكاية، وحضرتْ زوجة شيرو خجي، فقبّل فرهاد رأسها ويديها، فهو قد أعلنها أختاً له منذ أيام الجامعة، وهي سعت في التقارب بينه وبين زوجته الحالية التي كانت صديقتها في الجامعة، وعن طريقه تعرّف شيرو على خجي برغم عفرينيتها، انتحب فرهاد وبكى كثيراً، وأبى إلا أن يزور قبر صديقه الشهيد، في تلك اللحظة توجّهنا إلى مقبرة النبلاء، وأخذ يخاطبه، ها أنا في زيارتك يا حبيبي، لقد قصمتَ ظهري، وعند الرجوع إلى البيت، سألته هل كنتَ في قافلة الموت، فابتسم، بل في قافلة الحياة يا أمي، ضحكتُ في وجهه قائلةً: أيّها الإرهابي, فردّ بعنفوان، هذه حقيبتي، لا شيء فيها سوى قلم ورواية وبيجامة ومنشفة، أنا عاهدْتُ صديقي بألّا أحمل سلاحاً، مهلاً أمي وهذا معمول، قد أعدتْه لي زوجتي، فهي تعلم بأنني لا أتناول المعلبات؛ فخاطب ابن شيرو بأن يأخذوا معمول عمّتهم، وسأل عن اسم الطفل، قالت خجي: اسمه فرهاد، بكى فرهاد، وتخلّل بكاءه ابتسامةً جميلةً، وأنا ولدي الكبير اسمه شيرو، والطفلة اسمها آرين، وقد اتفقنا على تسميتها أثناء الحمل وقبل استشهاده؛ وبعد احتلال عفرين من قبل العصابات المدعومة تركيّاً، خرجنا من مدينتنا بقلوبٍ داميةٍ مكسورةٍ، وكان فرهاد بانتظارنا في منبج، حيث كان يسكن في بناية مع أهله، وبعد وفاة والده، كان قد انتقل إلى شقّة والدته الأرضية، ولم يرض بأن يسكن بيته أحد، وعندما أتينا أعطى مفاتيح بيته لأخته وأمّه, فرهاد دائماً يردّد قائلاً: ومن مثلي له والدتين؟ هذه قصتي، يابنتي وأنا أدعو الله القدير، بألا تروا ما رأيناه نحن أبناء عفرين، وأرجو أن يتوفّر لدى القوى العظمى الحامل الأخلاقي والإنساني، ولو مرةً واحدةً، حتى وإن خرجنا من هذه الدوّامة بأقلّ الخسائر، فعفرين الآن ما باتت عفرين التي عرفناها، حتى منتزهاتها ومياهها الآن محرّمة زيارتها على أبنائها, هناك الحجر والشجر مستهدفون، هناك استيطان وتغيير ديموغرافي حقيقي. إنّ جذورنا هناك تُقلع وهويّتنا تُباد, عفرين تتعرّض إلى جينوسايد مقيت أمام مرأى العالم الحرّ, عفرين جرحٌ نازفٌ لن يلتأم بسهولة, وكليّ أملٌ أن تكون المعطيات والمفرزات في شرق الفرات مختلفة عن واقع حبيبتنا عفرين, وألّا تذهب دماؤنا سدى وعلى الأقل تحمينا من كارثةٍ بشريةٍ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، لمدننا وذويها هنا السلام، ولشهدائنا المجد والخلود أبداً.

* جريدة الوحـدة – عدد خاص (عام من العدوان التركي على عفرين)- العدد 304 – كانون الثاني 2019 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).