جديد الموقع

الحرب على عفرين الكردية- السورية…مشاهدات، مواقف ووقائع(20 كانون الثاني-18 آذار/2018)
شكري ده دو
مجلة الحوار- السنة /25/- العدد /72/- 2018م

دموعٌ تنهمر ولا تزال على وجنتي وجوه كبار السن والصغار، قلوبٌ دامية يعتصرها ألم جرحٍ عميق، وما تلك البكائيات الغنائية إلا تعبيرٌ صارخ عن الأسى. جرحٌ أصاب منطقة عفرين الكردية- شمال غرب سوريا، وأهاليها المتعلقين بأراضيهم التي حرثوها وزرعوها بأناملهم أبً عن جد، بأشجار الزيتون والتين والسماق والصنوبر والرمان والعنب وغيرها، والفخورين بتاريخهم وثقافتهم، والمتأصلين بشموخ الجبال والتلال، إذ جاهدوا أن لا يكونوا وسط المحرقة السورية، ولكن الرياح أتت بما لا يشتهوها، وسط عواصف إقليمية- دولية بغيضة.

جغرافية عفرين وسكانها

تقع منطقة عفرين[1] في أقصى شمال غرب سوريا، بين خطي الطول /36.33 -37/ درجة شرقاً وخطي العرض /36.20 -36.50/ درجة شمالاً، وتابعة إدارياً إلى محافظة حلب، تبلغ مساحتها حوالي /2500/ كم2، وكانت تسمى بمنطقة كرداغ – بمساحة أكبر- في العهد العثماني أي جبل الكُـرد. وحسب إحصاء عام 2004م الرسمي كان تعداد السجل المدني لسكان منطقة عفرين /446293/ نسمة، وكان من أبناء المنطقة أيضاً مسجلين في مناطق أخرى، ولعام 2018م بزيادة 40% يصبح التعداد بشكل تقريبي /624810/ نسمة، حيث أثناء الأزمة عاد معظمهم للإقامة في المنطقة، ولكن نسبة منهم لا تقل عن /50%/ قد هاجرت خارج البلاد لأسباب مختلفة، أي بقي مقيماً في المنطقة لغاية بداية عام 2018م أكثر من /300000/ نسمة، يضاف إليهم ما يقارب /30000/ وافد مقيم من المناطق الأخرى.

يُذكر أن نسبة 95% من أهالي عفرين كُـرد، وبحلول أواسط آذار 2018م، بسبب الحرب، نزح منهم ما يقارب /250000/ نسمة إلى بعض قرى شيروا ومناطق نبل والزهراء والشهباء- شمالي حلب، ولايزال أكثر من /138/ ألف نازح[2] باقٍ فيها، أما الآخرون، منهم من عاد إلى دياره، وقسم نزح إلى مدينة حلب ومناطق كوباني والجزيرة.

موقع عفرين قبل بدء الحرب

كانت منطقة عفرين تُدار من هيئة تنفيذية (على نمط حكومة محلية) باسم الإدارة الذاتية وتحميها قوات الأسايش ووحدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ. طول حدودها مع تركيا يقارب /135/ كم، وكان محمياً من الطرفين، وفيه أسلاك شائكة وجدار عازل، أما في جنوبها كانت بلدتا دارة عزة وآطمة تقعان تحت نفوذ هيئة تحرير الـــشام (جبهة النصرة- فرع القادة السوري)، وفي شرقها منطقة اعزاز تديرها الحكومة التركية وفصائل (درع الفرات) التابعة لها، وفي جهتها الجنوبية الشرقية بلدتا نبل والزهراء تقعان تحت سيطرة كتائب «حزب الله» وإيران- حلفاء الحكومة السورية، وبلدة ديرجمال تسيطر عليها «قوات سورية الديموقراطية». أي أن عفرين كانت مُحاطة بقوات (تركيا وأعوانها، النظام السوري وحلفائه، هيئة تحرير الشام- القاعدة)، وكانت ممراً لعبور الركاب والبضائع والمحروقات من اعزاز إلى محافظة إدلب، ولها منفذ وحيد الى مدينة حلب.

تحضيرات وتحشدات

منذ خروج مؤسسات النظام السوري العسكرية والأمنية من مناطق (عفرين، كوباني والجزيرة) أواسط عام 2012، وانتشار وحدات دفاع ذاتي من مقاتلين كُـرد فيها، وتبلور إدارات محلية- ذاتية، وتوسع النشاط السياسي والميداني لمكونات الحركة الوطنية الكردية في سوريا، وظهور إلتفاف جماهيري ملحوظ حولها، لم يرق الوضع للأوساط الشوفينية هنا وهناك، التركية منها خصوصاً، فكانت البداية مع عفرين تلك الهجمات التي شنتها جماعة عاصفة الشمال بقيادة إبراهيم داديخي المدعوم من تركيا على حواجز قرية قسطل جندو عام 2012 من جهة منطقة اعزاز، وتالياً هجمات من داعش ومن فصائل (للجيش الحرّ) على قرى في روباريا وشيروا، وهجمات من جبهة النصرة على قرى إسكان وغزاوية، وآخرها سقوط قذيفة صاروخية وسط مدينة عفرين ليلة الجمعة 18/ 8 /2017، وكذلك هجمات صاروخية ومدفعية تركية عديدة، حيث تم توثيق /40/ هجوم عسكري على عفرين من قبلنا، وقعت بين تشرين أول 2012- كانون الأول 2017، منها /11/ حالة في عام 2017، وتسببت بأضرار مادية ووقوع ضحايا شهداء وجرحى، عدا تلك المناوشات والاشتباكات المتقطعة. إضافةً إلى أن المنطقة عانت الحصار بأشكال عديدة، خاصةً الذي فرضه فصائل جهادية مسلحة بين حزيران 2013 و شباط 2016، إلى أن تم فتح طريق نبل-حلب.

لدى انتهاء عمليات (درع الفرات) التي تَحَدَد نطاقها من جانب روسيا وأميركا، وحققــت فيها تركيا غايتها إلى حدٍ ما، بقطع التواصــل بين مـــناطق عفرين وكوباني عبر ممرات تتحكم بها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بدأت أنقرة بتحشداتها العسكرية وأفصحت عن نواياها للقــيام بعملية جديدة للسيطرة على منطـــقة عفرين.

منذ أواسط تشرين الثاني 2017 بدأ طيران الاستطلاع التركي بالتحليق بكثافة في سماء منطقة عفرين، وكثَّفت القوات التركية من تحشداتها العسكرية على الحدود قبالة المنطقة، واُقيمت بعض المخيمات والنقاط الطبية في مواقع تحت سيطرتها.

كانت عفرين منطقة أمان واستقرار ملحوظين، وتتميز بحالةٍ من الانتظام والانسجام المجتمعي، ولم تكن تُشكل تهديداً للأمن القومي التركي أو خطورةً على الحدود، مثلما ادعت أنقرة، حيث أشار تقرير لمؤسسة BBC الإعلامية[3]  إلى أن المتحدث الرئاسي التركي إبراهيم كالين كتب يقول:» في العام الماضي وحده تعرضت المدن التركية لأكثر من 700 هجوم من منطقة عفرين بقيادة وحدات حماية الشعب الكردي»، ونوه التقرير أن وحدة تدقيق الوقائع لـ BBC أجرت بحثاً موسعاً حول تقارير بشأن وقوع هجمات على تركيا في نفس الفترة مستخدمة مصادر مختلفة، وتوصلت إلى تقارير بشأن وقوع 26  هجوم فقط من سوريا في الفترة بين 1 يناير/كانون ثاني 2017 و20 يناير/كانون ثاني عام 2018، و /15/ فقط من هذه الهجمات جاءت من عفرين، فلم تقدم وزارتي الدفاع والخارجية التركية دلائل مقنعة عن ادعاءاتها. بالتأكيد الهجمات من جهة عفرين كانت خفيفة وأقل خطورة، وعلى الأغلب وقعت رداً على اعتداءات تركية.

أسباب وأهداف

على وقع طبول الحرب، كثّفت الإدارة التركية من حملاتها الإعلامية وترويج قول (الكُـرد انفصاليون وكفار)، وعملت على اجترار الأسباب وإعلانها من قبيل (مكافحة إرهاب حزب العمال الكردستاني PKK ووحدات حماية الشعب، حماية الأمن القومي التركي، تسليح الولايات المتحدة للأكراد، إقامة دولة كردية في شمال سوريا تمتد إلى البحر، استبداد حزب الاتحاد الديمقراطي واعتدائه على العرب والتركمان…)، إلى جانب تنويع أهدافها ورفع سقف شروطها (القضاء على وحـدات حماية الشعب، إقامة منطقة آمنة بعمق 30 كم، إعادة 3.5 مليون لاجئ سوري من تركيا، السيطرة على شمال سوريا من عفرين إلى منبج وربما إلى الحدود العراقية، وإلى محافظة إدلب). ولم تكن حسابات الوضع الداخلي التركي غائبة عن أجندات عملية غزو عفرين، من تداخل أفكار دينية وقومية، وأزمات سياسية ومالية، ومسائل انتخابية ومحاكات مشاعر لجمع الأصوات.

استغلت حكومة العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان اتفاقات أستانه حول «مناطق خفض التصعيد» لتعزيز نفوذ تركيا في شمال سوريا وبسط سيطرتها على عدة مناطق، ولتضمن لها دوراً مستقبلياً في سوريا، وبموجب تلك الاتفاقات تعاونت أنقرة أيضاً وساعدت روسيا في تسوية أوضاع (مدينة حلب، دمشق وريفها، درعا وريفها، شمال وغرب حماه وحمص) لصالح الحكومة السورية، مع إنهاء وجود المسلحين فيها، مقابل الاستيلاء على عفرين أيضاً. وأُشيع خبر صفقة شهيرة بعنوان «عفرين مقابل الغوطة».

اليوم الأول

عصر يوم السبت 20 كانون الثاني عام 2018م، كانت السماء صافية، والطقس مستقر، أشبه بيومٍ ربيعي جميل وهادئ، بعد هطول أمطار في وجوٍ دافئ نسبياً، كانت الأعشاب قد اخضرت على سفوح الجبال والتلال وفي الأراضي الزراعية، وكانت الغابات تتلألأ، والصخور تلمع، أما الحيوانات فكانت تنعم بخيرات طبيعة غنية.

الحيوان والجماد لم يكن يدري ما يصول ويجول بين البشر حول المنطقة، بينما الأهالي كانوا يترقبون الوضع عن كثب وبقلق.

في تمام الساعة الرابعة بتوقيت دمشق، بدأ الطيران الحربي التركي رمي صواريخها وقذائفها المدمرة على مواقع عديدة في منطقة عفرين، فاعتلى الناس سطوح المنازل والمباني ليروا في السماء تلك المسارات التي ترسمها الطائرات بدخانها الأبيض، وليشاهدوا تلك الأدخنة السوداء والأغبرة التي تتصاعد من مواقع القصف، ويسمعوا أصوات الانفجارات.

حسب بيانات القوات التركية، خلال أكثر من ساعة ونصف قامت /72/ طائرة حربية بقصف /108/ هدفاً، وكان الهدف الأبرز والذي له دلالته ويؤكد بدء انطلاق الهجوم على عفرين، هو قصف موقع تخزين وتعبئة المحروقات قرب مدينة عفرين، واندلاع لهب كبير وتصاعد دخان أسود كثيف.

بذلك أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان في خطاب متلفز من مدينة كوتاهية التركية مساء السبت، أن القوَّات المُسلَّحة التُركيَّة بدأت فعلياً في عمليتها العسكرية على عفرين، بقيادة قائد الجيش الثاني الفريق إسماعيل متين تمل، تحت مسمى عملية «غصن الزيتون»، الاسم الذي يُعدّ استفزازاً أولياً لأهالي عفرين، لأنه لا يمت بصلة إلى معاني السلام والمحبة التي يرمز إليها غصن الزيتون، ويُعد فجاجةً إطلاق هكذا اسم على عملية عسكرية عنفية ضد منطقة آمنة.

في اليوم الأول كانت الأضرار مادية في بعض الآليات والمباني والتحصينات، ووقوع ضحايا مدنيين وعسكريين قلائل.

مواقف مؤيدة

داخلياً، كان حزب العدالة والتنمية AKP)) الإخواني ورئيسه وأجهزة حكومة أنقرة- الإعلامية منها خصوصاً، بأتم الجاهزية والإمكانات والعمل على تبرير وتسويق عملية الانقضاض على عفرين، حيث وجهت وزارة الشؤون الدينية رسالةً إلى أئمة المساجد في تركيا تُطالبهم بالدعاء للجيش والأمة بالنصر، وقراءة سورة الفتح قبل أو بعد صلاة العشاء مساء السبت 2/1/2018 وصلاة فجر الأحد، لتتكلل العملية بنجاح، فابتهل نحو /90/ ألف مسجد، ورافق بعض الشيوخ الجيش إلى داخل عفرين، مثلما رافق فنانون كبار رئيسهم للاحتفاء بالنصر. وكانت الحركة القومية MHP بزعامة دولت باهتجلي من أشدّ الداعمين للعملية، على خلفية تحالفها السابق مع الـ AKP، إثر انهيار عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني PKK عام 2015م.

وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو اعتبر أن كل من يعارض العملية التركية في عفرين «يأخذ جانب الإرهابيين ويجب أن يعامل على هذا الأساس». وقامت الإدارة التركية بحراك سياسي ودبلوماسي محموم، حيث أبلغت العواصم الكبرى والمعنية بعمليتها، ودعت سفراء دول عديدة في أنقرة لشرح موقفها. ونشرت تركيا وثائق عثمانية تاريخية[4]، لتدعي بحقها في عفرين، بموجب الميثاق الملي 1920م.

وكذلك دعمت أوساط من المعارضة السورية العملية التركية تلك، أبرزها تلك الفصائل الجهادية المسلحة التي شاركت في الغزو، والائتلاف السوري المعارض الذي يضم بشكل أساسي تنظيم الاخوان المسلمين في سوريا والمجلس الوطني الكردي في سوريا والمجلس التركماني السوري، حيث أعرب عن دعمه للعملية التركية عبر بيان، يوم الأحد 21 كانون الثاني 2018، معتبراً حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ووحدات الـ YPG (منظمات إرهابية)، إذ كانت الهيئة القانونية للائتلاف قد رفعت رسالةً إلى جهات دولية، موقعة من رئيسها هيثم المالح بتاريخ 25 / 7/2017، تُطالب فيها بإدراج الـ PYD ومنظماته ضمن قائمة الإرهاب.

كما باركت الخطوة التركية كل مَن يدور في فلك التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، قطر كدولة وحيدة. وأيد العملية أيضاً المجلس الإسلامي السوري (المعارض) الذي تأسس في استنبول يوم الاثنين 14/4/2014، ويترأسه الشيخ أسامة الرفاعي، عبر بيان[5] بتاريخ 26 شباط 2018، معتبراً قتال قوات (قسد) «هو من الجهاد في سبيل الله»، وبيّن فتاويه في أموالها وسلاحها وأسراها.

إن الحلقة الأساس لتمرير عملية غزو عفرين كانت عبر اتفاقات أستانة، بموافقة روسيا وعدم اعتراض إيران عليها، طبعاً دون إعلان ذلك، ويبدو أن زيارة رئيس أركان الجيش التركي خلوصي أكار ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان إلى موسكو يوم 18/1/ 2018، أي قبل يومين من بدء العملية، كانت لوضع اللمسات الأخيرة، وتأكد ذلك بخروج وحدات عسكرية روسية كانت متمركزة في معسكر كفرجنة – عفرين، وتوجهها إلى بلدة تلرفعت بتاريخ 19/1/2018، إذ قال بيان وزارة الدفاع الروسية بتاريخ 20/1/2018: «لمنع استفزازات محتملة وإبعاد أي تهديد لحياة العسكريين الروس وصحتهم تم سحب القوات».

وأعلنت وزارة الخارجية الروسية وبعبارات دبلوماسية «قلقها»، ودعت إلى «ضبط النفس»، بينما رمت باللائمة على أمريكا، لأنها (أغضبت تركيا بتسليح الكُـرد في شرق الفرات وبدعم (كيانهم)، واستفزتها بإعلان نيتها في تشكيل جيش من /30/ ألف مقاتل باسم «حراس الحدود»).

لم تعمل الحكومة الروسية على تجنيب عفرين حرباً متوقعة، بالعمل على خيار تسليمها لقوات السلطة السورية وعودة مؤسساتها، ودعوة وحدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ بمغادرتها، بشكل صريح وجدي معلن، بل اتضح جلياً أنه كانت هناك موافقة روسية على اجتياح تركيا لعفرين، بالهجوم عليها براً وجواً، مقابل ذاك الدور الذي لعبته أنقرة في تسوية أوضاع مناطق سورية أخرى، رغم تسريباتٍ تتناول رفض الوحـدات لطلب روسي عبر قنوات خاصة بتسليم المنطقة للحكومة السورية، في وقتٍ لم يصدر فيه أي بيان رسمي من الحكومة الروسية أو السورية حول ذلك.

ولم تعمل الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، والتي تعتبر حليفاً لـ «قسد» في محاربة الإرهاب بسوريا، على ردع تركيا عن عمليتها، بل تحججت بان عفرين تقع ضمن النفوذ الروسي، وأعربت عن «قلقها» ودعت إلى «ضبط النفس» وتجنب حدوث خسائر في صفوف المدنيين، كما نوهت أن الحرب في عفرين يؤثر سلباً على مسألة محاربة الارهاب. ومن جهته قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس: إن «لدى تركيا مخاوف أمنية مشروعة، وأبلغتنا مسبقا بغاراتها الجوية على عفرين»، وأضاف أن تركيا شريك مهم لبلاده في حلف شمال الأطلسي.

وقالت بريطانيا: لدى تركيا مصلحة مشروعة في ضمان أمن حدودها.

وقالت ألمانيا، إن حماية الحدود الجنوبية لتركيا أمر مشروع ومهم بالنسبة لأنقرة، أما وزير خارجيتها فأعرب عن قلق بلاده من المواجهة العسكرية بين تركيا والكُـرد في عفرين.

أما حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فاعتبر أمينه العام ينس ستولتنبرغ، أن من حق تركيا العضو في الحلف، أن تدافع عن نفسها، ولكن «بشكل متكافئ ومدروس».

مواقف معارضة

في الداخل التركي جاء موقف حزب الشعب الجمهوري CHP معارضاً لعملية الهجوم على عفرين، بينما كان حزب الشعوب الديمقراطية HDP من أشد المنتقدين والمعارضين للعملية، وكذلك أوساط ديمقراطية وفنانين ومثقفين وبعض مؤسسات مدنية، مثل الاتحاد الطبي التركي والرابطة التركية لغرف المهندسين والمعماريين، حيث تعرض أكثر من /300/ مواطن تركي للاعتقال لانتقادهم العملية على صفحات التواصل الاجتماعي، بتهمة «نشر دعاية إرهابية»، من بينهم سياسيين وصحفيين ونشطاء.

في ختام اجتماعهم الـ 149، مساء الأربعاء 7 آذار2018، بمقرّ الجامعة العربية، عبّر وزراء الخارجية العرب في بيان رسمي عن رفضهم للعمليات العسكرية التركية في عفرين، وذلك «من شأنها أن تقوض المساعي الجارية للتحول إلى حلول سياسية للأزمة السورية» -حسب البيان، فيما تحفظت دولة قطر على هذا القرار.

وأعربت مصر عن رفضها للعملية العسكرية التركية، واعتبرتها انتهاكا جديداً للسيادة السورية.

ومن جانبها عبَّرت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني عن «قلقها الشديد» إزاء العملية العسكريَّة التُركية في عفرين، وقالت إنه من الواجب التأكد من ضمان إيصال مساعدات إنسانيَّة لِلأهالي في تلك الناحية، وأنها تخشى أن تُقوَّض العملية بِشكل خطير استئناف مُفاوضات جنيف للسلام بين المُعارضة والنظام السوري.

فرنسا كانت من أشد المنتقدين للعملية التركية، واعتبرتها مضرة بجهود مكافحة الإرهاب، وقد صرح وزير الخارجية جان إيف لودريان، يوم الأحد 21 /1/2018 أن فرنسا شديدة القلق بشأن «التدهور المفاجئ» في الوضع في سوريا، وأنها طلبت اجتماعاً لمجلس الأمن من أجل «تقييم الوضع الانساني». وأشار إلى أن فرنسا دعت إلى وقف المعارك والسماح للمساعدات الانسانية بالوصول إلى الجميع. وأوضح قائلًا: «علينا أن نعمل كل ما يجب من أجل تفعيل وقف إطلاق النار بشكل سريع، ونبدأ الحل السياسي الذي طال انتظاره». وبناءً على طلب فرنسي عاجل تغير موضوع جلسة مجلس الأمن المغلقة، يوم الإثنين 22 كانون الثاني 2018، إلى بحث موضوع الهجوم على عفرين، دون أن يفضي الاجتماع إلى إصدار أي بيان أو موقف مشترك أو قرار ما، وقد أبدت تركيا انزعاجها من الموقف الفرنسي.

رغم أن مواقف معظم الحكومات والدول لم ترتقي إلى مستوى إيقاف الهجوم التركي، كان هناك تضامن واسع مع أهالي عفرين وإدارتها في أوساط الرأي العام الدولي والكتل البرلمانية وبلديات مدن أوربية ومن محبي السلم والديمقراطية.

موقف الحكومة السورية

حذَّر نائب وزير الخارجية والمغتربين الدكتور فيصل المقداد القيادة التركية من أنه في حال المبادرة إلى بدء «أعمال قتالية» في منطقة عفرين السورية، فإن ذلك سيعتبر عملاً عدوانياً من قبل الجيش التركي على (سيادة أراضي الجمهورية العربية السورية)، جاء ذلك في بيان رسمي[6] تلاه أمام صحفيين في مبنى الخارجية، وأكد أن سورية ستقابل أي تحرك تركي عدواني أو بدء عمل عسكري تجاه سوريا بالتصدي الملائم، منوهاً إلى أن قوات الدفاع الجوية السورية استعادت قوتها الكاملة وهي جاهزة لتدمير الأهداف الجوية التركية في سماء سورية، وهذا يعني أنه في حال اعتداء الطيران التركي على سورية، فيجب عليه ألا يعتبر نفسه في نزهة.

كما ندَّد الرئيس بشار الأسد بالعملية العسكرية التركية بُعيد انطلاقها، واعتبرها عدواناً و«امتداد لِسياسة أنقرة في التنظيمات الإرهابية منذ اندلاع النزاع قبل سنوات» ووصفها بـ»العدوان التركي الغاشم».

من جهةٍ أخرى، دعت الإدارة الذاتية الديمقراطية (مقاطعة عفرين)، عبر بيانٍ رسمي بتاريخ 25 كانون الثاني 2018، «الدولة السورية للقيام بواجباتها السيادية اتجاه عفرين وحماية حدودها مع تركيا من هجمات المحتل التركي»، كما دعت أحزاب وحركات سياسية في عفرين عبر بيانٍ بتاريخ 27/1/2018 «المجتمع الدولي وكافة المنظمات الإنسانية والحقوقية وكذلك القوى الوطنية السورية والفعاليات المجتمعية إلى تحمل كافة مسؤولياتها القانونية والأخلاقية والإنسانية، والضغط بشتى الوسائل على الدولة التركية، لإيقاف هذا العدوان الغادر على عفرين».

عموماً وفي خضم الحرب، كانت منطقة عفرين، بمجالسها وفعالياتها السياسية والمجتمعية والإدارية، تُطالب الحكومة السورية بممارسة حقها السيادي دون تردد في أداء واجبها الوطني التاريخي حيال ما تتعرض له عفرين من حرب عدوانية شاملة براً وجواً، كما ناشدت مجلس الأمن الدولي والقوى الفاعلة خصوصاً إلى الضغط على أنقرة للالتزام بقرارته والكف عن عدوانها البغيض.

ليلة الأحد 18 شباط 2018، الصدفة أوصلتنا برفقة طبيب صديق[7] لحضور اجتماع مفتوح في مشفى آفرين، إذ أبلغ مسؤول حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM بعفرين البعض من الأطباء والممرضين، أنه تم عقد اتفاق بين وحدات حماية الشعب والجيش السوري، يقضي بدخول وحـدات من الجيش وبتغطية جوية إلى عفرين صباح الاثنين، دون أن يشمل جوانب سياسية أو إدارية، وأبدى المسؤول تخوفه من فشل الاتفاق بتدخل روسي، فكان الخبر موضع ارتياح الجميع، حيث انتشر نبأ الاتفاق نهار الأحد، بعد أن أبلغت قيادة «الإدارة الذاتية» جميع المؤسسات والأحزاب المتواجدة بمضمون الاتفاق، ونقله وسائل إعلامية عديدة.

صباح الثلاثاء وليس الاثنين، دخلت إلى عفرين، وحدات شعبية تابعة للجيش السوري[8]، عدد عناصرها لايتجاوز المئة وخمسة وعشرين، وبأسلحة خفيفة، عبر بوابة قرية الزيارة، وتعرضت في حينها لقصف تركي، أدى إلى فقدان اثنين من عناصرها حياتهما وإصابة ثلاثة بجروح، وبعد انتشار أولئك العناصر في جنديرس وراجو وغيرها، قتل معظمهم تحت القصف التركي، ففي معسكر كفرجنة لوحدها قُتل ما يقارب /50/ بغارةٍ جوية، ولم يحميهم رفع العلم السوري، ولم يتناول وضعهم إعلام النظام السوري.

وفي يوم الثُلاثاء ذاتها، قال أردوغان أن تركيا أحبطت مخطط نشر القوات السورية النظامية في عفرين بعد محادثات أجريت مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

إلا أن الحكومة السورية أرسلت مساعداتٍ طبية عبر الهلال الأحمر السوري، كما سمحت حواجزها العسكرية قرب منبج وفي طرق الشهباء-شمال حلب، بمرور قوافل المتضامنين وربما مقاتلين من «قسد».

فيما بعد طالب التحالف الوطني الكردي في سوريا أيضاً، عبر بيان بتاريخ 24 شباط 2018، مؤسسة الجيش في الدولة السورية للقيام بواجبها القانوني والسيادي عبر حماية الحدود الدولية وتحمل مسؤولياتها إزاء الحملة العدوانية التركية، كما دعا المجتمع الدولي للقيام بمهامه وممارسة أقصى درجات الضغط اللازم على حكومة العدالة والتنمية ومحاسبتها على ما تقترفه من جرائم.

وقعت الحرب على عفرين وتم احتلالها، واخترقت تركيا السماء السورية بمئات الطلعات الجوية، ولم يطلق الجيش السوري صاروخ واحد باتجاهها، ولم تقدم الحكومة السورية أية شكوى رسمية لدى مجلس الأمن الدولي ضد الاحتلال، إذ يبدو أن الضامن الروسي كان قد رسم خطوط واضحة ومحددة لتحركات حليفه بعدم اعتراض تركيا في عفرين، وفق اتفاقٍ ـ في سياقات أستانه- بسقفه النهائي وبعنوان واضح «تسليم عفرين لتركيا».

أهالي عفرين ينتقدون حكومة بلادهم بشدة على تدني أداء واجبها السيادي نحو منطقتهم، وكذلك إغلاقها لأبواب مدينة حلب أمامهم، رغم أن للكثيرين منهم فيها عقارات وأملاك.

قرار مجلس الأمن حول الهدنة

إثر احتدام الأعمال العدائية في مناطق الغوطة وعفرين، التم مجلس الأمن للاجتماع يوم السبت 24 شباط 2018، فأصدر القرار /2401/ بالإجماع، لصالح مشروع هدنة تُطبق فوراً في سوريا، حيث «يطالب جميع الأطراف بوقف الأعمال العدائية… من أجل وقف إنساني دائم لمدة لا تقل عن 30 يوماً متتالية في جميع أنحاء سوريا، من أجل تمكين التسليم الآمن دون عائق والمستمر وتقديم المساعدة الإنسانية والخدمات والإجلاءات الطبية للمرضى والجرحى الحرجة»، دون أن ينطبق القرار على العمليات العسكرية ضد داعش وجبهة النصر والقاعدة والجماعات الإرهابية التي حددها مجلس الأمن، وباعتبار أن وحدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ وقوات «قسد» غير مدرجة في لوائح الإرهاب لدى مجلس الأمن، كان يتوجب الالتزام بالقرار في منطقة عفرين أيضاً، إلا أن الحكومة التركية أعلنت رفضها للقرار بخصوص عفرين وأنه «لن يؤثر على عمليتها المستمرة في منطقة عفرين»، كما غضبت تركيا من الموقف الفرنسي والأمريكي الداعي لتطبيق القرار في عفرين أيضاً، حيث أن الرئيس ايمانويل ماكرون قال لأردوغان عبر مكالمةٍ هاتفية «إن قرار وقف إطلاق النار يجب أن يطبق على كامل أنحاء سوريا، بما في ذلك عفرين»- حسب وكالة أنباء (أ ف ب)، 28/2/2018، التي أوردت أن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الاميركية هيذر نويرت، من جهتها، أصرّت على أن قرار وقف إطلاق النار ينطبق على عفرين كذلك، وقالت «بإمكان تركيا معاودة قراءة النص الدقيق لقرار مجلس الأمن الدولي هذا، واقترح عليهم القيام بذلك».

بينما وحدات حماية الشعب رحبت بقرار مجلس الأمن، وقالت في بيان صادر عن قيادتها العامة، بتاريخ 25 شباط 2018: « نعلن ترحيبنا واستعدادنا للالتزام بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي لوقف الأعمال القتالية تجاه كل الأعداء، باستثناء تنظيم داعش الإرهابي، مع الاحتفاظ بحق الرد في إطار الدفاع المشروع عن النفس في حال أي اعتداء من قبل الجيش التركي والفصائل المتحالفة معه في عفرين.».

الموقف الفرنسي تطور إلى الانتقاد الشديد لتركيا، حيث نقلت وسائل إعلام عديدة أن وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، قال في كلمة ألقاها يوم الثلاثاء 13/3/2018 أمام أعضاء الجمعية الوطنية: «بعد مرور أسبوعين على تبنيه لا يزال قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القاضي بإعلان هدنة مدتها 30 يوما في سوريا، حبراً على الورق. وأود التشديد على أن هذا القرار يخص سوريا برمتها، بما في ذلك الغوطة الشرقية وإدلب وعفرين»، وأشار لودريان إلى أن العمليات التركية في منطقة عفرين «تجعل السكان المدنيين عرضة لضربة عنيفة»، وأن «الوضع هناك حرج وخطير».

لم يُنفذ شيئاً من قرار الهدنة بخصوص عفرين، سوى دخول قافلة مساعدات /29/ شاحنة من الأمم المتحدة صباح الخميس 1/3/2018.

الموقف الكردي

لما لتركيا من عداء تاريخي لهم ولحقوقهم القومية الطبيعية، أمرٌ طبيعي أن يكون موقف عموم الكُـرد مناهضاً للاحتلال التركي لمنطقة عفرين، وإن لم يُترجم بشكل صحيح لدى البعض منهم، فالأحزاب والحركات والمنظمات المنضوية في إطار مجلس سوريا الديمقراطية (حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM والتحالف الديمقراطي الكردي في سوريا، أحزاب وشخصيات عربية وآشورية، مستقلين وشخصيات اجتماعية…)، وأحزاب ومنظمات خارجه، قد أبدت بكل بوضوح إدانتها ورفضها للعملية العسكرية التركية، حيّت وأثنت على بطولات وتضحيات وحـدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ وأبناء عفرين في مقاومة العدوان التركي، بينما المجلس الوطني الكردي في سوريا ومجلسه المحلي قد أصدرا بعض بيانات برفض العملية العسكرية التركية ووصفها بالاحتلال، دون أن يسميه في بيانات أخرى، ولم يفصل الحالة عن مناهضته للإدارة الذاتية القائمة واتهامها بممارسة الإرهاب، في سياق الصراع مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، وكذلك أبدى بعض مسؤولي المجلس، وخاصةً ممثليه المعتمدين لدى الائتلاف السوري المعارض، مواقف وتصريحات تتواءم إلى حدٍ ما مع خطاب الائتلاف وقبول تبريرات تركية للعملية العسكرية وترويجها، وتُلقي باللائمة أساساً على (الآبوجيين)، إضافةً إلى تأكيد اتصالهم مع فصائل مسلحة ضمن حملة «غصن الزيتون»[9].

أبرز وأهم المواقف الكردية المعارضة تجلت في تظاهرة جماهيرية منددة بالتهديدات والتحشدات التركية ضد عفرين، إذ خرجت بعشرات الآلاف في شوارع المدينة بتاريخ 5/7/2017، تلبيةً لدعوةٍ من أحزاب كردية، وبتاريخ 4/2/2018، خرج أكثر من مئة ألف متظاهر من مختلف شرائح ومكونات عفرين، ليعبروا عن رفضهم وشجبهم للعدوان التركي الهمجي، ويُعلنوا تمسكهم بحق الدفاع عن النفس والمقاومة والعيش الحرّ في مناطقهم، والوقوف إلى جانب وحـدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ، مطالبين المجتمع الدولي لمساعدتهم وللضغط على حكومة أنقرة لوقف حربها الظالمة.

وكان لتلك التظاهرات الجماهيرية التي جابت شوارع مدن كوباني ومدن وبلدات منطقة الجزيرة، وقعٌ خاص.

وكان للأنشطة السياسية الكردية والوقفات الاحتجاجية والتضامنية في الساحات الأوربية وفي إقليم كردستان العراق من قبل أبناء كُـرد سوريا، ولحملاتهم الإعلامية أيضاً وقعه المؤثر، حيث عاشوا حالة هيجان وقلق.

كما أن تلك القوافل الجماهيرية التي توافدت إلى عفرين، من سنجار وديريك، عبر قامشلو وكوباني، ومن حي الشيخ مقصود-حلب، وشاركت أهالي عفرين محنتهم، بكل صدق وفاء، رفعت من معنوياتهم، وفضحت الرواية التركية القائلة إن «الإدارة الذاتية تمارس الإرهاب»، حيث أن المدفعية التركية قصفت إحدى تلك القوافل قرب بوابة معبر الزيارة وفي منحدر طريق جبل الأحلام المطل على بلدة الباسوطة، أدى إلى احتراق وتعطل بعض السيارات والحافلات واستشهاد شاب وجرح مدنيين آخرين، مساء الجمعة 23 شباط 2018.

أبهى صور الاحتضان الشعبي وأصدقها تعبيراً، كان قيام عشرات النساء في القرى بإعداد الطعام لمقاتلي الجبهات، المدافعين الميامين عن عفرين، وهنَّ يهللن ويزغردن لبسالتهم.

هذا وأصدرت أحزاب وأطر سياسية ومؤسسات ومنظمات مدنية كردية عشرات البيانات والتصريحات والنداءات، الرافضة للغزو التركي، والمؤيدة لكفاح وحـدات حماية الشعب والمرأة في الدفاع عن النفس ورد العدوان، والمطالبة للقوى الوطنية السورية والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتها… ولكن دون جدوى!!!

تضامن كردستاني

كان لزيارة وفدٍ من برلمان إقليم كردستان العراق إلى عفرين بتاريخ 11/2/2018، ومشاركته في اليوم التالي في تشييع كوكبة من الشهداء، وقعه الإيجابي، كما عقد مؤتمراً صحفياً، وأدان العدوان التركي على عفرين وبارك المقاومة التي يبديها أهل عفرين ومقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة، معبراً عن تضامن الكُـرد عموماً مع أهالي عفرين، ومُباركاً معنوياتهم العالية. كما زار عفرين وفدٌ من سبع منظمات إنسانية كردستانية من تركيا والعراق، للتضامن مع أهاليها.

عدا موقف حزب العمال الكردستاني المناهض تاريخياً للحكومة التركية، صدرت مواقف رافضة للعملية التركية من أحزاب كردستانية أخرى، إضافةً إلى تغطيات إعلامية، ولكن كان هناك صمت من قوى وقيادات كردستانية معروفة، فلم يرتقي العمل الكردستاني إلى فعل سياسي مؤثر أو عمل جماهيري احتجاجي واسع في مدن هولير والسليمانية وديار بكر وغيرها، ولم تُرسَل مساعدات إنسانية أو طبية لافتة، فشعر أبناء عفرين بالخذلان من أبناء جلدتهم.

وقائع ميدانية

بحكم بقاءنا في عفرين أيام الحرب ومتابعتنا لمجرياتها، وعملنا ضمن خلية إعلامية مع الإخوة (م.ب، أ.ق، ش.ب، ر.ك)، يمكننا سرد وقائع ميدانية وتلخيصها، ليس كتحليل عسكري، إنما لإعطاء صورة عن مجريات الأحداث.

حسب بيان لوحدات حماية الشعب، بدأت قوات (درع الفرات) منذ 7/1/2018، وبشكل يومي متقطع، قصف تلال ومواقع قرب بعض قرى ناحية شران وبعض قرى روباريا وشيروا، وتم الرد عليها، كما قصفت المدفعية التركية وبشكل مكثف محيط قرى (خليل، خرابي سماقيه و شديا) -ناحية راجو بتاريخ 19/1/2018، إلى أن بدأت الحرب على عفرين فعلياً يوم السبت في العشرين من كانون الثاني، بقصف طيران حربي واسع. فأصدرت القيادة لعامة للوحدات بياناً إلى الرأي العام، بتاريخ 20/1/2018، أعلنت فيه تمسكها بخيار الدفاع والمقاومة، وقالت: «نهيب بالشباب من أبناء وبنات شعبنا في شمال سوريا عامةً وعفرين خاصةً، بالانضمام إلى صفوف قواتنا والوقوف صفاً واحداً في التصدي لهذا العدوان الغاشم وحماية عفرين من هذا الغزو الهمجي، كما نناشد الرأي العام العالمي لإبداء الموقف الحازم تجاه هذا العدوان البربري ضد شعبنا في عفرين من قبل جيش الاحتلال التركي».

صباح الأحد، عبر بواباتٍ فُتحت في الجدار الحدودي العازل، دخلت آليات ومدرعات ودبابات ومشاة بأعداد غفيرة تتجاوز /20/ ألف مسلح – معظمهم من الفصائل الجهادية المسلحة – وبالتتالي إلى أراضي-عفرين السورية، وبدأ الهجوم في المرحلة الأولى، براً بالأسلحة الثقيلة والخفيفة، من جهة قرى سوركه، قره بابا وعَدَما، شينكل وبيكيه، باليا وكردو، مرساوا وشيلتعت وايكي دام، وجواً بالطيران الحربي وبطائرات دون طيار وباستخدام أسلحة ثقيلة على عموم المنطقة.

جرت المعارك، عبر كامل محيط منطقة عفرين، بمسافةٍ تُقارب /200/كم، عدا الجهة الجنوبية الشرقية، بين جيشٍ تركي نظامي وهو الثاني في حلف الناتو والذي يمتلك كافة تقنيات وعتاد الحروب الحديثة، ووحدات حماية الشعب والمرأة التي كوّنت نفسها بالاعتماد على الذات بشكل أساسي، من تدريب وتنظيم واقتناء السلاح، وقد كان يمتلك أعداد قليلة من السلاح الثقيل، دون غطاء جوي أو دفاعات جوية، وجُلَّ خبراتها تعتمد على أشكال حرب العصابات في الجبال والتضاريس الوعرة، حيث بنت في مواقع انتشارها تحصينات ومخازن أسلحة تحت الأرض، ونظّمت صفوفها على شكل مجموعات صغيرة، فخاضت دفاعاً مستميتاً بتكتيكاتها وكمائنها الخاصة، وبالاعتماد على الشجاعة والمهارات الفردية، والاستفادة من الطقس الرديء أحياناً. ساعدتها أيضاً وحدات من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وانخرط في صفوفها مقاتلين أجانب متطوعين، حيث أن تعداد قوات عفرين من عناصر حفظ الأمن (الأسايش) والمقاتلين كان حوالي /10/ ألاف، حسب تسريبات محلية، عدا مجموعات الحماية الذاتية.

رغم شراسة المعارك وتعدد الجبهات، كانت المسافة الممتدة بمحاذاة الحدود – غرب عفرين، بين قرية مستكا شمالاً و شيه، إلى قرية هيكجه جنوباً بحدود /12/ كم، لغاية اليوم الأربعين، تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ولم تكن سوى /50/ قرية من أصل /364/ قد وقعت تحت الاحتلال، حسب تقريرٍ إعلامي[10]، حيث أن معظم الاشتباكات على الأرض جرت كراً وفراً ضمن مساحة لا يتجاوز عمقها /3/ كم، ولكن تأثير القصف بالطيران والأسلحة الثقيلة على الداخل كان متزايداً.

الهجوم على الأرض كان يعتمد على كثافة النيران وكثرة أعداد المشاة واستخدام المدرعات والآليات، بغطاء جوي كثيف ومدمرّ والذي كان يقصم ظهر مقاتلي عفرين الذين كانوا يتحصنون في مواقع دفاعية، وبالتالي كانوا يصطادون المهاجمين صيداً، بينما في نهاية شهر كانون الثاني، سيطر الجيش التركي وحلفائه على أهم جبلين، هما جبل بارسه خاتون (برصايا) المطل على اعزاز شرقاً، وجبل الإذاعة قرب قرية خليل غرباً، وسيطر خلال الأيام الأولى من شهر شباط على الجبل المطل على مركز ناحية بلبل، القريب من الحدود الشمالية.

توقف القصف بالطيران حوالي أربعة أيام، واستؤنف بكثافة في الثامن من آذار بمشاركة طائرات مروحية أيضاً، إذ كانت وحدات الـ YPG حذرة في قصف الداخل التركي، حيث أن تركيا أعلنت سقوط صواريخ وسط مدينة كلس ولمرتين، لم تتبناه الوحدات، ولكن قوات (قسد) أعلنت أنها استهدفت مركزاً عسكرياً داخل مدينة قره خان التابعة لولاية اسكندرون، يوم الأحد 18 شباط 2018م.

نظراً لاشتداد المعارك وتباطؤ تقدم المهاجمين، بتاريخ 21 شباط 2018، دخلت فرقة من القوات الخاصة التركية إلى منطقة عفرين، تضم /1200/ جندياً، كما تم استخدام مراكز المراقبة الثلاثة التي أقامتها تركيا في إدلب وعلى حدود عفرين الجنوبية، وساندتها أيضاً جبهة النصرة في بعض العمليات من تلك الجهة.

بعد اليوم الثالث والثلاثون من الهجوم، اشتدت عمليات القصف المدفعي والجوي، وبذخائر مدمرة، فتضعضعت الصفوف الدفاعية الأولى ودُمرت تحصينات عديدة، وتمكنت قوات العدو من التقدم والسيطرة على بعض القرى الإضافية، إلى أن وصل الوضع إلى مرحلةٍ أشد فتكاً، بعد اليوم الثالث والأربعون، حيث باتت المنطقة بأكملها تقريباً، بقراها وبلداتها ومدنها عرضة للقصف اليومي، وبعد انهيار خطوط الدفاع الأولى، تقدمت القوات الغازية بشكل أسرع من الجهتين الغربية والشرقية، لتصل إلى حصار مدينة عفرين من جهة طريق جنديرس وقرى بابليت وماراتيه وكفرشيل غرباً، ومن جهة قرية قيبار وكورتك غرباً، وبقيت مجموعات صغيرة تقاوم إلى الأنفاس الأخيرة، واستشهد معظم عناصرها، مثلما حصل في بلدة بعدينا، حيث يدل حجم الدمار في وسط البلدة على قصف شديد بالطيران إثر مقاومة باسلة، وقد تم فيما بعد انتشال أكثر من عشرة جثامين من تحت الركام، وربما هناك جثامين أخرى مدفونة تحت الأنقاض.

بعد نزوح الأهالي من ريف المنطقة نحو الداخل لخطورة الوضع على حياتهم، بسبب قصف معظم القرى والبلدات، ووقوع الاشتباكات بالقرب منها، أصبح القصف الهجومي أكثر شراسةً وهمجيةً ودماراً، فلم تدم المقاومة داخل بعض البلدات طويلاً.

رغم الأجواء الضاغطة والمرعبة، بقي المجتمع بناسها ومقاتليها متماسكاً إلى حدٍ كبير، وبقيت المعنويات عالية، ولم يكن هناك فوضى، إلا في الأيام الأخيرة.

جاء في بيان للمركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية[11]، بتاريخ 7 آذار 2018: «منذ بدء العدوان تمكنت قواتنا من إسقاط طائرتين عاموديتين إحداها كوبرا والأخرى سكورسكي ناقلة للجند، أدى لمقتل /11/ عسكري تركي بين ضباط وجنود. كما أسقطت قواتنا طائرتي استطلاع إحداها نوع درون والأخرى نوع بيرقدار… استهدف مقاتلونا طائرات كوبرا وأصيبت إحداها إصابة مباشرة… وتم تدمير /96/ آلية مدرعة بينها دبابات ومصفحات وسيارات رباعية الدفع، فيما تم إعطاب /32/ آلية بينها دبابات ومدرعات». فكانت تلك الأنباء سارةً للأهالي، حيث انتشرت مقاطع فيديو لاستخدام بعض صواريخ حرارية وتدمير عربات ودبابات، وأخرى لإسقاط تلك الطائرات، ووردت أنباء عن قتل جنود أتراك في تلك العمليات.

نظراً لعدم عدم التزام تركيا بقرار مجلس الأمن رقم /2401/ بشأن هدنة مدتها /30/ يوماً، أعلنت فصائل مسلحة تعمل تحت لواء قوات (قسد)، عبر بيان بتاريخ 16 شباط 2018، عن سحب قواتها من ريف ديرالزور في مواجهة داعش وإرسالها إلى عفرين، فجاءت قافلة باسم متضامنين، ووصلت إلى عفرين مساء 8 آذار 2018، واستقبلت بحفاوة جماهيرية، وأطلق رصاص كثيف في سماء المدينة، حيث ساهمت تلك اللفتة في رفع معنويات الأهالي، ولكن لم يتوضح أو يتأكد ما هو عدد مقاتلي قسد الذين وصلوا.

كانت زيارة وفد الائتلاف السوري المعارض برئاسة رياض سيف، ومعه جواد أبو حطب رئيس (الحكومة المؤقتة) وهيثم المالح رئيس الهيئة القانونية، بتاريخ 17 شباط 2018، برفقة وسائل إعلام عربية وتركية، وبحماية الجيش التركي، إلى قرية قسطل جندو الملاصقة لجبل بارسه خاتون والقريبة من اعزاز، والتي أهاليها من الكُـرد الإيزيديين… خطوة استفزازية، تفتقر إلى أي شعور وطني، وموضع إدانة عموم الكُـرد في سوريا.

وفي حدثٍ سياسي هام انتشر نبأه عالمياً، أرادت الحكومة التركية أن تنجزه لصالحها أثناء الحرب على عفرين، ألا وهو اعتقال صالح مسلم القيادي البارز في حزب الاتحاد الديمقراطي PYD من قبل السلطات التشيكية ليلة 24 شباط 2018، بناءً على بلاغ تركي مقدم للشرطة الدولية «الإنتربول»، تنفيذاً لمذكرة توقيف صادرة بحقه في تركيا. ولكن قرار محكمة تشيكية بإطلاق سراحه بتاريخ 27/2/2018 كان مزعجاً لتركيا، واعتبره الكُـرد نصراً لهم وانتصاراً للعدالة العالمية.

أواسط آذار، خلال الأسبوع الأخير من العملية التي سُميت بـ «غصن الزيتون»، اشتد القصف والهجوم على مدينة عفرين وفي محيطها، واستُنفذت المواد الغذائية والمأكولات والخضروات من المحلات التي أُغلقت معظمها، وانقطعت امدادات المحروقات، وتعطلت الحياة العامة، وتراكمت القمامة في الشوارع، وكانت مياه الشرب قد انقطعت عن عفرين منذ 4/3/2018، فدخل القلق والخوف إلى نفوس المدنيين، مما أدى إلى حركة نزوح كبيرة إلى الخارج، فتقاطرت آلاف الآليات والسيارات، وخرجت العائلات بعشرات الآلاف سيراً على الأقدام عبر الطريق الرئيسي المار من قرية ترندة باتجاه باسوطة وجبل الأحلام، ومن ثم إلى قرى جبل ليلون وبلدتي نبل والزهراء وقرى وبلدات الشهباء – شمال حلب.

في السادس عشر من آذار تم قصف حاجز ترندة لقوات الأسايش التي كانت تمنع الناس من الرحيل، على خلفية حث الإدارة مراراً للأهالي على الثبات وعدم مغادرة أرضهم. مما أدى إلى فتح الطريق، وفي اليوم التالي السابع عشر من آذار، توقفت الأعمال القتالية إلى حدٍ كبير، واتضح أن قيادة وحـدات حماية الشعب قد قررت الانسحاب من المدينة، تجنباً لدمارها وحقناً لدماء غزيرة، وتم فتح أبواب مستودعات الأغذية والمؤن بأشكالها، ووزعت على الأهالي المتواجدين، وحصل نزوح جماعي كبير، إلا بضع مئات بقوا، وسكان في بعض قرى لم تطالها اشتباكات تذكر.

صباح الثامن عشر من آذار 2018م، دخلت قوات الفصائل الجهادية المسلحة والجيش التركي إلى مدينة عفرين وسيطرت عليها، ورُفع العلم التركي على مبنى السراي القديم (مبنى المجلس التشريعي لمقاطعة عفرين)، وفي يوم السبت 24 آذار 2018، أعلن الجيش التُركي رسمياً فرض سيطرته على المنطقة، لتغدو تركيا دولة احتلال لمنطقة عفرين من الدولة السورية.

أغفلنا أحداث متفرقة، وربما لم نعلم عن بعضها أو لم نتذكرها، نعتقد أنها على الأغلب ليست ذات أهمية.

استهداف المدنيين وارتكاب مجازر

نظراً لتمسك أهالي عفرين بأرضهم وديارهم ووقوفهم إلى جانب مقاتليهم المدافعين عنهم، كان المدنيون عرضة للحوادث والاستهداف بشكل مباشر، نتيجة القصف العشوائي على الأماكن الآهلة بالسكان وأحياناً القصف المتعمد، بغية ضرب معنوياتهم وترويعهم، ومن ثم تهجيرهم.

انتهاكات وجرائم عديدة ارتكبت بحق المدنيين، أكبرها حجماً، تهجير أكثر من /200/ ألف نسمة قسرياً، ودون أن يتمكنوا من العودة، بل وإسكان عشرات آلاف من مُهجري الغوطة وغيرها بدلاً عنهم، في سياق سياسة تركية ممنهجة تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي، وتخفيض نسبة الكُـرد إلى 35% الرقم الذي لطالما تحدث عنه أردوغان مراراً.

وكذلك عمليات اختطاف، على سبيل المثال: بتاريخ 26/1/ 2018 تم اختطاف /6/ مواطنين من بلدة بلبل، وفي 1/2/2018 أربعة من قرية «على كارو»، وفي 7/2/2018 أربعة من قرية كيلا، وفي 11/2/2018 ثلاثة من قرية سعرنجك.

وارتكبت مجازر جماعية، نذكر منها وبالتواريخ:

21/1/2018، قصف مدجنة قرب قريتي (جلبر، عنابكي)، أسفر عن استشهاد /13/ مدنياً وجرح /6/ آخرين، بينهم أطفال ونساء، وهم من عائلة نازحة من معرة النعمان- حماه.

26/1/2018، سقوط قذائف على منزل في بلدة معبطلي، أدى إلى استشهاد /7/ مدنيين من عائلة نازحة من منطقة الباب.

28/1/2018، قصف قرية كوبليه – شيروا، أدى إلى استشهاد /13/ مدنياً.

19/2/2018، سقوط قذائف وسط بلدة باسوطة، أدى إلى استشهاد طفلة، وجرح سبعة أطفال ورجلين.

13/2/2018، سقوط أربعة صواريخ في مركز مدينة عفرين، أسفر عن استشهاد مواطن وإصابة أربعة آخرين بجروح مختلفة.

13/2/2018، قصف طيران على قرية هيكجيه، أسفر عن استشهاد مواطنتين، وجرح ثلاثة مواطنين.

20/2/2018، استشهاد مواطنين شقيقين في قرية هيكجيه، وجرح آخر.

26/2/2018، قصف على قرية يلانقوز، راح ضحيته /5/ شهداء.

5/3/2018، تم استهداف حافلة نقل ركاب قرب قرية بربنه، أدى إلى استشهاد امرأة عجوز وطفل وإصابة /20/ مدنياً بجروح متفاوتة الشدة، وارتكاب مجزرة في مدينة جنديرس راح ضحيتها /13/ شهيد مدني وأصيب عدد آخر بجراح، واستشهاد مواطنيّن وإصابة /8/ آخرين بجروح متفاوتة، بينهم أطفال ونساء، بقصف قرية فريرية، واستشهاد مواطن في بلدة كفرصفرة، واستشهاد مواطنة وجرح آخرين في قرية «قره تبه»، حيث تم تشييع جثامين /32/ شهيداً، مدنيين وعسكريين، بذات اليوم.

2/3/2018، قصف على بلدة ميدانكي، أسفر عن استشهاد مواطنة وجرح اثنين، واستهداف وسط قرية كاخرية، أسفر عن استشهاد مواطن وجرح /5/ آخرين، واستهداف سيارة في قرية حجيلار، أدى إلى استشهاد /8/ مدنيين وإصابة /12/ آخرين بجروح مختلفة.

8/3/2018، أصابت قذيفة منزلاً في قرية ترنده، أدت إلى استشهاد ثلاثة أشقاء أطفال وجرح آخر مع الأم.

صباح 16/3/2018، وأثناء نزوح عائلات من داخل عفرين إلى طريق راجو، تم قصف حي المحمودية، على الطريق العام، قرب موقع سوق المواشي، أدى إلى استشهاد أكثر من /20/ مدنياً وجرح عشرات.

16/3/2018، قصف مشفى آفرين مرتين، أسفر عن استشهاد تسعة مدنيين على الأقل، وجرح 20 آخرين.

كما تم استهداف مدنيين في أماكن متفرقة بالقنص أو القتل المباشر، وآخرين توفوا تحت أنقاض منازلهم، خاصةً المسنين منهم.

هذا وقالت منصة حقوقي عفرين في مؤتمر صحفي عقدته بتاريخ 2 آذار 2018م، أنها وثقت أكثر من /922/ جريمة، تضمنت التدمير الممنهج لقرى وبنى تحتية وخدمية وقصف مدنيين عزل وأطفال ونساء بمختلف صنوف الأسلحة الثقيلة والكيماوية والمحرمة دولياً، وارتكاب مجازر وتهجير قسري لسكان أصليين، وقصف مواقع أثرية وسياحية، ضاربةً عرض الحائط اتفاقيات جنيف الأربعة وملحقاتها ونظام روما الأساسي لعام 1998 الناظم لعمل محكمة الجنايات الدولية في لاهاي ولميثاق الأمم المتحدة وكافة القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، دون أي رادع، وتحت مرأى ومسمع العالم أجمع.

مما ذكرناه من أحداث، هي بعض وقائع موثقة، حيث هناك جداول لدى الإدارة الذاتية والهلال الأحمر الكردي، ولدى بعض منظماتٍ حقوقية، ولكن هناك مفقودين، وعشرات حالات إصابة ووفاة غير موثقة، وتجدون أدناه جدولاً بأعداد ضحايا الحرب على عفرين، حسب مصادر مختلفة.

كما أدت الحرب إلى تعطيل معظم مجالات الحياة، من اجتماعية وثقافية واقتصادية وزراعية وصناعية وغيرها، إذ أعلنت هيئة التربية والتعليم في مقاطعة عفرين توقف دوام جميع المدارس والمعاهد والجامعة، بموجب أمرٍ إداري أصدره بتاريخ 28/1/2018، حرصاً على سلامة الطلاب والمعلمين.

دأبت القوات الغازية ووسائل إعلامها على نشر ثقافة العنصرية والكراهية، وإطلاق أوصاف ونعوت متطرفة وتحقيرية على سكان منطقة عفرين كـ «الخنازير والملاحدة والكفار»، لتبرير الاعتداء عليهم وسلب ممتلكاتهم.

وبعد السيطرة على عفرين، يُحارب الطابع الاجتماعي المنفتح للمنطقة، ويتم اضطهاد الكُـرد الإيزديين، وجرت اعتقالات عشوائية وكيفية، وحالات تعذيب واحتجاز قسري، واختطاف صحفيين ونشطاء من عفرين، والكثير من الشباب لمجرد الشبهة بكونهم رافضين للغزو والاحتلال التركي، وقُبضت فدى مالية مقابل الافراج عن بعضهم، في ظل تغييب الحريات العامة والفردية، وفرض حظر على ممارسة أي نشاط مدني، ثقافي أو إعلامي، إلا الذي يخدم بروباغندا الاحتلال وسياسته.

التمثيل بالجثث

لعل الحدث الأبرز في معمعان الهجوم الشرس على أرض عفرين، كان التمثيل بجثة المقاتلة في صفوف وحدات حماية المرأة YPJ، بارين كوباني (أمينة مصطفى عمر 23 عاماً)، إذ انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام مقطع فيديو تَظهر فيه مجموعة مسلحة مشاركة في الهجوم، يقوم أفرادها بإهانة جسد الشهيدة بارين والتمثيل بجثتها – المنزوعة عنها ملابسها العلوية.

وكانت هذه الجريمة موضع استنكار وغضب عموم الكُـرد، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية وضد مكانة المرأة خصوصاً.

دافعت بارين عن عفرين ببسالة، فاستشهدت بتاريخ 1 شباط 2018، في قرية قرنه، وجرى لها تشييع جثمان رمزي مع شهداء آخرين في مدينة عفرين، يوم السبت 3/2/2018، بحضور عشرات الآلاف من الأهالي ومن فعاليات سياسية واجتماعية وغيرها، وبحضور ذويها، فكانت لحظات غضب مؤلمة.

هذا وتناقلت أخبار بارين كبريات وكالات أنباء ووسائل إعلام عالمية، وتضامن مع قضيتها مئات الآلاف على صفحات التواصل الاجتماعي.

وبتاريخ 8 شباط 2018 تم التمثيل بجثمان المقاتل في صفوف وحدات حماية الشعب أحمد محمد حنان الذي استشهد قرب قرية قسطل جندو.

قصف واستهداف البنى التحية

كانت الغاية من عمليات القصف أيضاً، إحداث شلل عام في حياة الناس وتعطيل وتخريب البنى التحتية وإسقاط الإدارة في أقصر مدة، وتم ذلك منذ اليوم الأول، كما جرى:

الإضرار بالبيئة عموماً، بقلع أشجار مساحات واسعة لأجل تنفيذ عمليات عسكرية وبناء قواعد، كما تم حرق غابات وقلع أشجار، وفيما بعد بشكل أوسع.

تدمير آلاف المنازل السكنية، بشكل كامل أو جزئي، خاصةً في مراكز نواحي جنديرس و راجو وبلبل وشران، وبعض القرى والبلدات التي كانت ساحات للاشتباكات.

قصف بالطيران الحربي موقع تخزين وتعبئة المحروقات قرب مدينة عفرين، عصر 20/1/2018.

تدمير عدة أفران لصناعة الخبز، بشكل كامل، مثل أفران في راجو و بعدينا، أو بشكل جزئي.

قصف مولدات وشبكات تغذية كهربائية للمنازل في العديد من المواقع والقرى، وأدى إلى تعطيلها.

قصف الطرقات العامة وتخريب بعضها.

تدمير ثلاث مدارس في (راجو، جنديرس، شران) وإصابة عدة مدارس أخرى، في ميدانكي وبعدينا وغيرها، وتحويل مباني عدد منها إلى مقرات عسكرية.

إصابة بعض الجوامع، مثل جامع في راجو وآخر في جنديرس وفي مريمين.

تدمير مدجنة دجاج بالكامل قرب قرية (عنابكي، جلبر)، بتاريخ 21/1/2018.

استهداف محطات مياه الشرب: في 9/2/2018- قرية كيلا، وفي 12/2/2018- بلدة كفرصفرة، وفي23/2/2018 – قرب قرية نازا، وفي 11/2/2018 قرية مسكه، وأكثر من مرة لمحطة ضخ وتصفية المياه قرب قرية متينا التي تغذي مدينة عفرين بالكامل وبعض القرى، إحداها بتاريخ 7/2/2018 وأخرى بتاريخ 11/2/2018.

استهداف محيط سد ميدانكي وإصابة بعض منشآتها، 29/1/2018، 8/2/2018، 11/2/2018، حيث ألحقت أضرار بالغة بصالات الرحبة المخصصة لإصلاح محركات وآليات خدمة السد وبمحطة التزويد بالمحروقات وبمستودعات القطع التبديلية، وتكسر زجاج نوافذ البرج.

تدمير مبنى مسلخ المواشي في قرية كرسانة قرب عفرين، ونفوق مئات المواشي، بتاريخ 9/2/2018.

إصابة مبنى مؤسسة الموارد المائية في قرية جومكه، بتاريخ 13/2/2018.

إصابة منشأة «روجآفا» لإصلاح الآليات الثقيلة على طريق جنديرس، قرب عفرين، 15/2/2018.

إخراج حسب تقديرات محلية- ما يقارب /100/ معصرة زيتون من الخدمة، إما بسبب التدمير الكامل، مثل معاصر في قرى جقلا و مستكا و راجو، أو بسبب التدمير الجزئي، أو نتيجة سرقة محتوياتها، مثل معاصر في قرى قده و كتخ و كوركان. كما تمت سرقة معمل بيرين وآخر لصناعة التنك بالكامل.

استهداف نقاط طبية لمنظمة الهلال الأحمر الكردي، وتهديم مبانيها، فبتاريخ 5/2/2018 استهدف مركز راجو بعشرات القذائف، وبتاريخ 4/3/2018 تم تدمير مركز شرّا بشكل كامل، وصباح 7/3/2018 تم تدمير مركز جنديرس، واستشهد على إثره الكادر الطبي شيار حجي عبدو – مواليد 1995، كما تم قصف مشفى آفرين الرئيسي مرتين بتاريخ 16/3/2018.

علماً أنه تم إفراغ معظم مباني المؤسسات الخدمية والإدارية والتعليمية والبلديات من العاملين فيها تباعاً، حمايةً لحياتهم، ومنذ الأيام الأولى.

استهداف الآثار والمعالم

من جملة ما كان يستهدفه العدوان على عفرين، هو تدمير آثار وتخريب معالم حضارية، وكذلك الإساءة إلى رموز الكُـرد أيضاً.

انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي صورة لجندي تركي واقف أمام جدار مبنى في بلدة راجو وهو يشير إلى كتابةٍ باللغة التركية، تقول «لا أعرف من حرق روما، أما راجو فنحن أحرقناها».

ونُشر مقطع فيديو بتاريخ 25/2/2018، يظهر فيه مقاتلون من قوات الاحتلال التركي، وهم يقومون بتدنيس ووضع العلم القومي الكردي تحت أقدامهم ويرفعون شارة «الذئاب الرماية» التركية، وفي مقاطع أخرى يظهر قيام مسلحين بتدنيس وحرق رايات وحدات الـ YPG-YPJ ورايات أحزاب وحركات كردية، كما تم استهداف نُصب للزعيم الكردي السياسي عبد الله أوجلان في جبل زعرة وتمزيق صوره في عشرات المواقع، وكذلك تمزيق صور الشهداء عموماً.

وقد استهدف مواقع أثرية تاريخية (عيندارا، هوري، تقلكه، سمعان، براد)، فأزيلت عنها معالم أجزاء أثرية قيمة وتضررت، وقد تحولت منحوتات وأسُود معبد عيندارا من الحجر البازلتي إلى ركام بفعل القصف، وفيما بعد تمت سرقة آثار عديدة.

وتم تخريب ثلاث مقابر للشهداء (الشهيد رفيق في قرية متينا، الشهيد سيدو في بلدة كفرصفرة، الشهيدة آفستا في قرية كفرشيل)، وكذلك استهداف مزارات دينية، مثل مزار عبد الرحمن قرب قرية كاني كاوركي بتاريخ 16/2/2018. وبعد الاحتلال أيضاً تم العبث بالكثير من الجوامع والمزارات الإسلامية والايزيدية، وكذلك تكسير شواهد قبور مكتوبٌ عليها باللغة الكردية.

أما الحدث الأبرز فكان تدمير تمثال لـ «كاوا الحداد» الرمز الكردي الشهير، إضافةً إلى تخريب نُصُب «دوار نوروز» و «وطني»، في مدينة عفرين.

وفيما بعد تم تغيير أسماء أماكن شهيرة، وإزالة الكلمات الكردية من واجهات المقرّات والمؤسسات واستبدالها بعبارات تركية – عربية، وتغيير أسماء بعض البلدات والقرى.

النزوح الداخلي

كما أسلفنا، إن العدوان التركي كان يهدف إلى تهجير الأهالي أيضاً، فكانوا يلوزون إلى المغارات والكهوف، أو الملاجئ والأقبية، ولا يرحلون إلا في لحظات الخطر الداهم، حيث أن حركة نزوح المدنيين باتجاه القرى والبلدات الداخلية وإلى داخل مدينة عفرين قد بدأت منذ اليوم الأول للعدوان، بسبب القصف الممنهج للأماكن الآهلة بالسكان ووقوع ضحايا مدنيين شهداء وجرحى وتدمير آلاف المنازل وبنى تحتية ومنشآت حيوية وتعذر التنقل أيضاً، حيث تعرضت القرى الحدودية مع مراكز نواحي شران وبلبل وراجو وجنديرس وبلدات كفرصفرة وبعدينا للقصف، منذ الأيام الأولى، فلم يرتضي الأهالي أن يكونوا رهينة بيد الأعداء، ولم ينزح أي منهم نحو مخيماتٍ أشادها الجانب التركي.

أغلب نازحي قرى المواجهة الأولى خرجوا بلباسهم، دون أن يتمكنوا من جلب ممتلكات وماشية وحاجيات ضرورية للمعيشة، وفقدوا أموالاً وأرزاق. وفي أجواء من الألفة المجتمعية تضامن الأهالي مع بعضهم إلى درجة كبيرة، ولابد من الإشارة إلى أن دور لجان كومينات القرى والأحياء والمجالس المحلية وإلى جانبها مكاتب ولجان أحزابٍ سياسية ومنظمات اغاثية واجتماعية كان فعالاً في حماية المجتمع وتنظيم الحياة العامة قدر الإمكان وتدبير أمور النازحين في الداخل، خاصةً في مدينة عفرين التي آوت في الأسبوعين الأخيرين معظم قاطني المنطقة تقريباً، الذين تم اسكانهم في منازل فارغة ولدى المقيمين أيضاً.

كانت المساعدات الإغاثية شحيحة، سوى دخول قافلة مساعدات إنسانية-/29/ شاحنة – باسم (اللجنة الدولية للصليب الأحمر – الهلال الأحمر السوري) صباح الخميس 1/3/2018 إلى عفرين، في إطار تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم/2401/ بشأن الهدنة في سوريا. وكان مشفى آفرين الجراحي المدني التابع للإدارة الذاتية يقدم خدماته مجاناً لضحايا وجرحى الحرب جميعاً، مدنيين وعسكريين.

رغم كل الجهود المبذولة، كانت أوضاع معظم النازحين صعبة، بل ومأساوية لدى كثيرين، من نقص في المداخيل والمساعدات، واكتظاظ المساكن المؤقتة بالقاطنين وافتقارها لأدنى شروط العيش الإنساني.

يُذكر أن الساحات العامة والحدائق (ساحة آزادي، حديقة الحرش وغيرها) أضحت أماكن للترويح عن النفس قليلاً والحديث عن الهموم والسؤال عن بريق أملٍ لإنهاء المحنة. ولم يجد الأطفال الذين انقطعوا عن مدارسهم ودورات الموسيقا وغيرها وهم مرتعبون، سوى اللعب في الشوارع أو بتلك الألعاب القليلة المتوفرة في الأماكن العامة.

ما أثار حفظية وامتعاض الأهالي هو منعهم من الخروج من قبل لجان بعض القرى والبلدات بالتعاون مع الأسايش، إلا في لحظات حرجة تكون فيها الخطورة على حياتهم داهمةً وكبيرةً، رغم أن معظم اللجان الإدارية المحلية كانت تبلغ الأهالي بالخروج أو تترك القرار لهم، في حال القصف الشديد أو اقتراب الاشتباكات.

النزوح إلى الخارج

تراجيديا النزوح إلى خارج أرض الزيتون، كان مؤلماً جداً، لجأ إليه الأهالي كخيار صعب، خوفاً من وقوع انتهاكات وجرائم أفظع، حيث أن صورة كارثة شنكال كانت ماثلة أمام أعينهم، فخرجوا بحثاً عن ملاذٍ آمن، هرباً من القتل أو الاعتقال والتعذيب أو الاختطاف أو أسر الرجال وسبي الأطفال والنساء.

أصل قرار امتناع أو منع الأهالي من الخروج، إلا في اللحظات الأخيرة، هو التشبث بالأرض وتعزيز المقاومة في وجه عدوانٍ غادر، ومحاولةً لتفادي التهجير ما أمكن، الهدف الذي لطالما أراده الأعداء. وفي قراءةٍ منصفة للوقائع، لايمكننا اتهام وحدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ باتخاذ المدنيين دروعاً بشرية في الحرب، في وقتٍ لايمكننا فيه أيضاً نفي أخطاء وسلبيات قد وقعت هنا وهناك، أبرزها تلك الإجراءات القاسية التي فُرضت على مدينة عفرين بمنع مغادرة المدنيين منها، لدى إغلاق طريق ترنده باسوطة بتاريخ 10/3/2018، وهو المنفذ الوحيد، وكذلك ممرات وعرة أخرى قد أُغلقت تباعاً، رغم أن القانون الإنساني الدولي لايجيز إرغام المدنيين على البقاء في مناطق حرب ساخنة وفيها خطورة على حياتهم، وثمة انتقادات أخرى توجه إلى الإدارة الذاتية، منها منع نقل ممتلكاتٍ كثيرة، كان بإمكان أصحابها إخراجها في وقتٍ مناسب، ما دامت أنها – ومن المفترض ذلك- كانت تدري بقرب حصار المدينة من العدو واشتداد الهجمات عليها، بل وكان بإمكان الإدارة اتخاذ إجراءات وتدابير احتياطية عديدة وفي وقتها المناسب للتخفيف من خسائر مادية وتفادي فقدان أرواح وضبط وتسهيل حركة النزوح أيضاً، لكن يبدو أن اتخاذ الوحـدات لقرار الخروج من المدينة كان متأخراً، وإن كان صائباً.

علماً أن طريق حلب عفرين تم إغلاقه، صباح السبت 20/1/2018، بدءاً من اليوم الأول للحرب، أمام تنقل المواطنين، من طرفي الإدارة الذاتية والنظام السوري في معبر قرية الزيارة- قرب مدينة نبل.

حركة النزوح إلى الخارج عملياً بدأت مع بدء الأعمال القتالية، بشكل متفاوت وأعداد قليلة، ولكن بدءاً مساء الخامس عشر من آذار ظهر ازدحام شديد على طريق ترنده – باسوطة، وتدفقت الآليات والمواطنين تباعاً، حيث كانت رحلة الخروج تستغرق بين 15-24 ساعة لقطع مسافة ما يقارب /15/ كم، ولم تخلو من حالات فقدان مسنين عُجز وأطفال أو مرضى وجرحى لحياتهم.

وسط مشاعر الحزن والأسى والخذلان، عشرات الآلاف من أهالي عفرين افترشوا الأراضي في جبل ليلون، وباتت قراه مكتظة بالنازحين، وتم إيواء عشرات آلاف بمساكن فارغة في بلدات ديرجمال وتل رفعت وكفرنايا وأحرص وفافين وقرية «أحداث» وغيرها، بمساعدة قوات سوريا الديمقراطية، كم تم تشييد أربع مخيمات في ريف الشهباء – شمال حلب من قبل الإدارة الذاتية، أما في بلدتي نبل والزهراء، اللتان كان الدخول إليهما ممنوعاً لغاية 17/3/2018، إلا بواسطة مهربين مقابل مبالغ تصل إلى /200/ ألف ل.س للشخص الواحد، اتخذ قرار فتح أبواب المدينتين أمام النازحين وإيوائهم في الجوامع والحسينيات، إضافةً إلى من يؤجرون منازل، بالطبع بآجار شهرية باهظة لا يقل عن /50/ ألف ل.س لمنزل مؤلف من غرفةٍ صغيرة ومنافع، وقد نشطت فيهما عمليات تهريب الراغبين من نازحي عفرين إلى حلب مقابل مبالغ وصلت إلى /500/ ألف ل.س، ومن فافين وقرية «أحداث» أيضاً، وبأساليب عديدة، لا تخلو من مخاطر، إذ تعرض بعضهم للتشليح، وآخرين لحوادث انفجار ألغام أرضية.

فضلاً عن احتضان أهالي القرى الكردية في جبل شيروا، فإن أهالي ديرجمال وغيرها، وأهالي نبل والزهراء خصوصاً، على المستوى الاجتماعي، قد احتضنوا نازحي عفرين بكل ودٍ واحترام، وقدّموا ما أمكن من مساعدات، بغض النظر عن حالات استغلال وجشع مادي لدى البعض، لطالما كان هناك وشائج وعلاقات ألفة وصداقة تاريخية، وعرفاناً لوقفة عفرين مع المدينتين خلال سنوات حصارها الطويلة.

أما العودة إلى الديار فهي حكاية أخرى، لم ولن تفارق مخيلة أي من مواطني عفرين، وقد بدأت في 20 آذار 2018، وتزايد أعداد الراغبين فيها تباعاً، ولكن بعد سيطرة المحتلين على قرى كيمار و براد في جبل ليلون، بدأوا بنصب حواجز مسلحة وإعاقة مرور العائدين بمختلف أساليب التحايل والحجج، وكذلك إهانتهم واعتقال البعض، أو ابتزازهم لدفع رشاوى، إلى أن تم إغلاق معبري كيمار ومريمين في 4/4/2018، واضطر العائدون للسير على الأقدام في طرق جبلية مسافات طويلة، وسُمح بمرور قافلة واحدة- بحدود /200/ سيارة وآلية بالعبور بتاريخ 22/5/2018، إلى أن تم إغلاق معابر عفرين مع مناطق النزوح بشكل نهائي من قبل السلطات التركية. ومن جهةٍ أخرى، في وقتٍ أَغلقت فيه الحكومة السورية ولاتزال كافة الطرق أمام النازحين للانتقال باتجاه الداخل أو نحو الشرق، وأثناء محاولات قسم من الأهالي للعودة إلى ديارهم، كانت الإدارة الذاتية قد أصدرت موقفها بعدم العودة لحين توفر ضمانات دولية و «لعدم إعطاء الشرعية للاحتلال»، فلجأت مجموعات متبقية من الوحدات والأسايش إلى منع عودة بعض القوافل، أدت إلى مناوشات مع العائدين وإطلاق الرصاص على عجلات بعض الآليات في قريتي عقيبة و تنب، وإصابة أحدهم، أدت إلى وفاته. فيما لا يفضل عشرات آلاف من النازحين في ظل الظروف الحالية ولأسباب مختلفة العودة إلى عفرين الآن.

يُذكر أن الإدارة الذاتية حالياً تقوم بمهام الإدارة المدنية في مناطق النزوح والمخيمات وتوزع مساعدات غذائية وتصرف مبالغ كبيرة لأجل توفير ما أمكن من مقومات الحياة، في وقتٍ أصبحت فيه تلك المناطق تحت سيطرة الجيش السوري وضمن النفوذ الروسي.

الاتصالات وشبكات النت

ضمن سياسة ضرب وتخريب البنى التحتية، عمدت القوات التركية إلى قصف العديد من أبراج شبكات الهاتف النقال، مثل أبراج قرى (خليل، موسكه، بيخجه، قطمة)، إلى جانب قطع شبكات النت منذ بدء العملية العسكرية، والتي كانت تغطي المنطقة عبر تركيا منذ حوالي خمس سنوات، كما تعطلت مولدات وشبكات الطاقة الكهربائية في العديد من المواقع والقرى بسبب القصف، فأصبح واقع الاتصالات سيئاً للغاية، سوى بعض شبكات نت فضائية ضعيفة، وتغطية ضيقة من شبكات أبراج الخليوي السوري في نبل والزهراء.

سرقات وخسائر

السرقة كانت عنواناً بارزاً لتلك العملية العسكرية العدوانية على عفرين، ما أن وطأة أقدام المهاجمين أراضيها، بدؤوا بسرقة ما وقعت بين أيديهم من دواجن ومواشي، آلات وآليات وسيارات، أرزاق ومؤن، لوحات طاقة كهربائية وبطاريات وأواني نحاسية، اسطوانات غاز وأثاث منازل وفرش وألبسة، مصاغ وأموال… الخ، وذلك بموجب فتاوى ابتدعها بعض رجال الدين الإسلامي فضلا عن قادة اللصوص ومنظريهم.

شملت عمليات السرقة والنهب والسطو المنظّم الواسع النطاق لمحتويات منازل الأهالي والمحلات والمتاجر والمستودعات، أكبرها وأفضحها جرت في 18 آذار 2018، لدى دخول القوات الغازية إلى مدينة عفرين، حيث جرت أمام عدسات كاميرات صحفيي وكالات أنباء عالمية، وانتشرت تلك الصور والفيديوهات على شاشات فضائيات عديدة وعريقة. إذ جاء في تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان بذات اليوم: «إن العناصر التابعة لقوات عملية غصن الزيتون التي تقودها تركيا، وبعد سيطرتها على مدينة عفرين بشكل كامل… بدأت بنهب ممتلكات مواطنين ومحتويات المقرات السياسية والعسكرية وبنهب آليات وسيارات ونهب المحال التجارية في المدينة» و «إن عدداً كبيراً من القرى تعرضت لعمليات نهب… إذ جرى نهب الآليات والمنازل والأدوات الزراعية… وبعض الأهالي وجدوا بيوتهم فارغة من محتوياتهم».

كما أن تلك العمليات موثقة في آلافٍ من تقارير إعلامية وحقوقية، ومازال النهب والسلب مستمراً حتى اللحظة، من نهبٍ لمواسم الحبوب والفاكهة والرمان والعنب، وأخيراً مواسم الزيتون، إضافةً إلى حالات الابتزاز والتهديد أو الاختطاف من أجل الحصول على فدى مالية.

وأيضاً بعض مضي ثمانية أشهر من الاحتلال، هنالك شلل شبه تام في المجال الاقتصادي والصناعي والزراعي، وفي الحياة الاجتماعية أيضاً، حيث هجرت الأيدي العاملة والخبرات وتوقفت بعض معامل البيرين وصناعة الصابون، وأُغلقت معظم ورشات الألبسة وتصنيع الآلات وإصلاح الآليات، بل ونُهبت معظمها، وتعرضت معظم معاصر الزيتون لسرقات جزئية أو كلية، أما الأعمال الزراعية والخدمات فهي في أدنى مستوياتها، حيث سُرقت معظم الجرارات والتجهيزات الزراعية، وتضررت حقول الزيتون والغابات بسبب القصف والقطع والحرائق.

وشملت الخسائر أيضاً تلك البنى التحتية والمنازل المدمرة، وفي فقدان بعض المواشي وبيع الكثير وزيت الزيتون بأسعار متدنية، وسرقة الكابلات من شبكات الاتصالات والكهرباء ومعظم مجموعات التوليد الكهربائية، إلى ما هنالك من خسائر في مجالات عديدة، تُقدر مجموعها بمليارات الدولارات، حيث أن إحصائها وتقديرها بحاجة لعمل مضني.

كل المؤشرات والمعطيات تدل على أنها عمليات ممنهجة، تحصل بإشراف وعلم وتخطيط الجيش التركي وحكومة أنقرة، وهي تهدف أساساً إلى إفقار السكان المحليّين وإذلالهم، بغية تهجيرهم.

تقارير حقوقية

لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا والتابعة للأمم المتحدة، أدرجت ضمن تقريرها الصادر في 9 آب 2018، والذي قدمته في الدورة التاسعة والثلاثون لمجلس حقوق الإنسان، 10-28 أيلول/سبتمبر 2018، فقرات طويلة عن انتهاكات وجرائم مرتكبة أثناء تنفيذ العملية العسكرية في عفرين، مع تقديم صورة عن أوضاع المواطنين، كما رصدت أوضاع النازحين، وقدّمت توصيات إلى الجهات المعنية حول مراعاة حقوق الانسان وعودة النازحين وحماية ممتلكاتهم ومنازلهم.

كما نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش، بتاريخ 23 شباط 2018، تقريراً مسهباً عن الأوضاع في عفرين، وأشارت إلى الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين، عبر التحقق في العديد من الحالات والاستماع إلى شهود، وأكدت أنها راسلت وزارة الدفاع التركية، فلم تتلقى رداً منها، وقالت المنظمة حينها: «يبدو أن المدنيين الضعفاء يواجهون التهجير والقتل بسبب الطريقة التي شنت بها تركيا هجومها الأخير».

أما منظمة العفو الدولية، فنشرت تقريراً بتاريخ 28 شباط 2018، وأشارت إلى تعرض حياة مئات المدنيين للخطر، وحصول العديد من الوفيات بين المدنيين، وأدرجت شهادات من مواطنين مدنيين يعيشون وسط الأحداث، ومن مواقع مختلفة، وقالت في حينها: «يجب على الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والدول الأخرى أن تستخدم نفوذها للضغط على الأطراف المتنازعة كي توقف هجماتها غير القانونية، وتضمن الاحترام للقانون الدولي الإنساني».

أكثر التقارير جاء معبراً عن فظاعة الجرائم المرتكبة، ذاك الذي نشره الهلال الأحمر الكردي بتاريخ 22 شباط 2018 تحت عنوان « أطفال شهداء، ضحايا العدوان التركي على عفرين»، والذي تضمن أسماء أطفال ضحايا شهداء وجرحى، مع صورٍ لأجسادهم الغضة التي تعرضت للتنكيل وإصابات بالغة.

لغز الأسرى واختلاف في بيانات أعداد الضحايا

ما أثار الاستغراب أن وحـدات حماية الشعب وقوات «قسد» لم تعلن عن وجود أسرى لديها، ولم تُنشر وسائل إعلامها أية أخبار عنهم، علماً أن الجانب التركي قد أظهر بعض الأسرى لديه عبر شاشات تلفزته ونشر بعض أقوالهم حسبما يريده هو، ولم تجري عمليات تبادل معلنة أيضاً، حيث كانت تردنا أخبار من النشطاء في القرى ومن أصدقاء وأهالي بعض المقاتلين عن القبض على بعض عناصر مسلحة من المهاجمين وكان بعضهم جرحى. في وقتٍ كان فيه نشر أخبار عن وجود أسرى يرفع من معنويات المقاتلين والأهالي، ويُمكن أن يُستفاد منه سياسياً.

هل فعلاً كان هناك أسرى لدى الـ YPG و «قسد»، أم لا؟، هل هم محتجزون إلى الآن؟، ما مصير أسراها لدى الجانب التركي؟ … ليست هناك أجوبة أو أنباء منشورة، عن هذا اللغز.

أما عن ضحايا الحرب لدى الطرفين، ندرج فيما يلي جدولاً، وفق عدة مصادر:

المصدر عفرين تركيا والفصائل
قتلى مدنيين جرحى مدنيين قتلى عسكريين جرحى عسكريين قتلى مدنيين جرحى مدنيين قتلى عسكريين جرحى عسكريين
المرصد السوري 289 1500+ 91* 418 فصائل

78 تركي

تركيا 3740 302 فصائل

42 تركي

أيمن العاسمي 630 فصائل

319 تركي

الإدارة الذاتية 500 1030 820
* من قوات وحدات الحماية الشعبية التابعة للجيش السوري.
تقرير بعنوان “ بعد أن عفشَّت قراها… قوات عملية غصن الزيتون تبدأ بنهب مدينة عفرين”، 18 آذار 2018، المرصد السوري لحقوق الإنسان.
 أيمن العاسمي – رئيس اللجنة الإعلامية (الوفد العسكري للثورة) المشارك في مؤتمر أستانه، ضمن برنامج الاتجاه المعاكس- فضائية الجزيرة بتاريخ 11/9/2018.
بيان إلى الرأي العام، 18 آذار 2018، الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة عفرين.

من خلال قراءة البيانات المدرجة أعلاه، نلاحظ مايلي:

–         لم تقدم أي جهة بيانات كاملة عن الضحايا لدى الطرفين.

– بيانات تركيا أقل بالنصف تقريباً عن بيانات ممثل (الثورة)، والطرفان لم يذكرا أو يعترفا بوجود ضحايا مدنيين بين أهالي عفرين، بل واعتبرت تركيا جميع شهداء عفرين (مدنيين وعسكريين) إرهابيين تم (تحييدهم).

– لم تقدم الإدارة الذاتية، أو الـ YPG أو قسد، أية بيانات رسمية عن قتلى الطرف المهاجم، أثناء الحرب أو بعدها، سوى ذكر (مقتل /2420/ من جنود الاحتلال التركي ومرتزقته منذ بداية الهجوم على عفرين حتى اليوم) في عنوان بيان لمركز إعلام وحدات حماية الشعب في عفرين بتاريخ 25/4/2018؛ وهذا الأمر موضع استغراب أيضاً، علماً أن الأخبار المحلية كانت تتداول وقوع قتلى في صفوف الفصائل المسلحة المهاجمة بأعداد أكبر بكثير مما هو معلن، وكل التوقعات تُشير إلى آلاف، لأن المهاجمون دخلوا بأعداد غفيرة ومجموعات كبيرة من المشاة، والمدافعون كانوا بمجموعات صغيرة ومتحصنين، والاشتباكات المباشرة دامت أكثر من /50/ يوماً في عدة جبهات.

– بيانات المرصد بالنسب للطرف المهاجم أقل من بيانات العاسمي.

– أعداد قتلى مدنيي عفرين في بيانات الإدارة الذاتية أكبر من العدد المذكور لدى المرصد، يبدو أن الإدارة كانت تعتبر عناصر الأسايش مدنيين، لأنها ليست قوات عسكرية حربية.

– جميع الأرقام ليست حقيقية، إما فيها مبالغة أو تخفيض، ويبدو أنها خاضعة لحسابات سياسية وعسكرية، والجهة المحايدة (المرصد السوري) ربما لم يتمكن من الحصول على معلوماتٍ كافية، ويبقى من الصعوبة إعطاء احصائيات دقيقة، حيث يكون هناك مفقودين، وجثث تحت الأنقاض أو بقيت في ساحات المعارك.

وفيما بعد تَثَبُت الاحتلال التركي، ذكر المرصد السوري في تقريرٍ[12] بتاريخ 23 تشرين الثاني 2018، أنه ارتفع عدد الشهداء المدنيين إلى /380/، بينهم /55/ طفلاً و /36/ امرأة، وما لا يقل عن /1582/ من مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردي وقوات الدفاع الذاتي منذ 20/1/2018، و /2380/ حالة اعتقال لمواطنين متبقين في عفرين، من ضمنهم /840/ لا يزالون معتقلين.

خلاصة:

تحولت عفرين من منطقة آمنة وملاذ للنازحين إلى منطقة تحكمها عصابات مسلحة وجيش احتلال لا يتوانى عن ممارسة سياسة ممنهجة في ارتكاب انتهاكات وجرائم عديدة، وقد قالت الفيديرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان[13]: «إن جيش الاحتلال التركي والجماعات المسلحة المعارضة التابعة له، ارتكبوا جرائم حرب بحق المدنيين في عفرين بشكل يومي في حربه العمياء ضد المدنيين، مما شكل خرقاً صريحاً للأعراف الدولية وقوانين الحرب…» وأشارت إلى (اضطهاد عرقي، ارتكاب جرائم إبادة جماعية، انتهاكات بحق المرأة، قتل وتمثيل بجثث أسرى، محاكمات خارج القانون، غنائم ومصادرات، حرق كتب ووثائق وآثار تاريخية، تدمير وتفجير أماكن عبادة، اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب واغتيالات، اختطاف أطفال واحتجازهم كرهائن، اختطاف وابتزاز كمصدر تمويل مهم للإرهاب، قصف عشوائي وتفجيرات).

إن العملية العسكرية التي سميت بـ «غصن الزيتون» وانتهت بإعلان القوات المسلحة التركية في بيان رسمي بتاريخ 24 آذار 2018: «تم فرض السيطرة الكاملة على عفرين بعد تطهير جميع القرى من عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي»… تُعد عدواناً على منطقة آمنة واحتلالاً لجزءٍ من دولةٍ أخرى، وفق كافة المعايير والقوانين الدولية، وبهذا الصدد رُفعت مذكرة[14] باسم حزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)، جاء فيها: «نناشدُ ضمائركم الحية للقيام بواجبكم تجاه عفرين وأهاليها المضطهدين والمهددين، كما نناشد هيئة الأمم المتحدة والمؤسسات المنبثقة عنها لإرسال لجان خاصة إلى المنطقة لتحري الانتهاكات والجرائم ومعاينة آثار الاحتلال، وكذلك معاناة المهجرين والنازحين. ونهيبُ بكم الضغطَ على الحكومة التركية، للعمل على وقف كافة الانتهاكات وإزالة الألغام ومخلّفات المعارك وانتشال الجثث المتفسخة وتعويض المتضررين وتوفير مقومات الحياة والالتزام الكامل بواجبات ومسؤوليات سلطة الاحتلال حتى جلاء الجيش التركي ومن رافقه من ميليشيات عن الأراضي السورية المحتلّة وعودة عفرين إلى أهلها والسيادة السورية. تلك المسؤوليات المنصوص عنها في المواثيق الدولية والقواعد الرئيسية الواردة في لائحة لاهاي لعام 1907 (المواد من 42-56) واتفاقية جنيف الرابعة (اتفاقية جنيف الرابعة، المواد من 27-34 ومن 47-78)، بالإضافة إلى بعض أحكام البروتوكول الإضافي الأول والقانون الدولي الإنساني العرفي». كما رفعت مذكرة أخرى[15]، من قبل أحزاب وأطر سياسية ومنظمات مدنية، جاء فيها: «إنّ ما ترتكبه الفصائل السورية المسلّحة في عفرين تحت إشراف دولة الاحتلال التركيّة وبتوجيه منها ودعم مباشرٍ وغير محدودٍ لهم من قبلها، من أعمال قتلٍ وسلبٍ ونهبٍ وسرقة واختطافات قسرية واعتداءاتٍ جسدية وتعذيب وتهجيرٍ قسري للسكان المدنيين والاستيلاء على دورهم وممتلكاتهم وتوطين الغير فيها، ترقى في الكثير منها لمستوى جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بمعايير ومضامين مواد القانون الدولي الإنساني».

إن هذه الحرب التي شُنت على عفرين بأحدث الأسلحة وأثقلها، براً وجواً، وما تبعتها من ممارسات عدائية ممنهجة على الأرض، تُثبت للقاصي والداني، أنها لم تكن موجهة ضد (الآبوجيين[16]) فقط، بل إنها استهدفت وجود الكُـرد ودورهم وحضورهم في شمال سوريا، ولاتزال حكومة العدالة والتنمية تتبع نفس السلوك، بعقلية عثمانية – دينية، مخلوطة بنزعات قومية استعلائية.

وما لا يقبله العقل والمنطق، أن دولةً مثل تركيا بولاياتها /81/ ومدينتها استنبول التاريخية، ومؤسساتها وقدراتها الكبيرة والمتنوعة، وبموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين الشرق والغرب والمطل على البحرين الأبيض والأسود، وبعلاقاتها ومصالحها وارتباطاتها الواسعة مع الغرب الليبرالي الديمقراطي ومع شعوب الشرق الجارة والمتداخلة مع بعضها دينياً وثقافياً واجتماعياً…. تتعامل مع منطقة صغيرة مثل عفرين، بعد احتلالها، بعقلية وأسلوب دولةٍ مارقة، لا تولي الاتفاقات والمعاهدات والقوانين الدولية المتعلقة أدنى احترام واهتمام، وتفعل كل ما هو سيء ومخالف للقيم الإنسانية.

ما أثلج صدر أهالي عفرين والكُـرد عموماً، هي تلك البطولات التي سطرها مقاتلي وحـدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ وأبناء عفرين، وذاك الاحتضان والدعم الشعبي لهم، للدفاع عن المنطقة في وجه المعتدين، رغم الفرق الشاسع في العدد والعتاد العسكري، وأخطاء وخسائر كبيرة وقعت هنا وهناك.

نضال الكُـرد سيتواصل، جيلاً بعد جيل، إلى أن ينعتقوا من الظلم والطغيان وينالوا حقوقهم السياسية والإنسانية بحرية وكرامة.

إن الوجود العسكري والإداري التركي في منطقة عفرين يحمل كافة سمات وصفات دولة الاحتلال وفق القانون الدولي الإنساني وما يتصل به، كون الحكومة التركية دفعت جيشها لاجتياح أراضي دولة مجاورة على نحو مناف للقانون الدولي ودون تفويض من الحكومة السورية، وأخضعت منطقة عفرين السورية لسيطرة قوات عسكرية أجنبية ورفعت العلم التركي على المقرّات والمؤسسات والساحات العامة، وعمل الجيش التركي على بناء نقاط ومقرات عسكرية على الحدود من الجهة السورية وفي عمق المنطقة أيضاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  للاطلاع على المزيد من المعلومات، يمكنكم قراءة كتاب «جبال الكُـرد- منطقة عفرين، دراسة جغرافية»- تأليف د. محمد عبدو علي.

[2] حسب لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا، تقرير صادر في 9 آب 2018.

[3] تقرير BBC، تاريخ 27 نيسان 2018، بعنوان « وحدة تدقيق الوقائع: كم هجوما تعرضت له تركيا من عفرين؟» – إريم كوكير.

[4] (تركيا تنشر “وثيقة عثمانية” لتؤكد أنها لم تخسر «عفرين» خلال الحرب العالمية الأولى!)- جريدة الزمان التركية، 27 يناير/كانون الثاني 2018.

[5] (حكم قتال قسد/قوات سوريا الديمقراطية)- رقم الفتوى /11/- تاريخ 26 شباط 2018، مجلس الإفتاء- المجلس الإسلامي السوري.

[6]  وكالة سانا السورية، مؤتمر صحفي – فيصل المقداد، يوم الجمعة 18 كانون الثاني 2018.

[7] الطبيب الجراح جوان حمه، الذي جاء من مملكة السويد، ليقف إلى جانب أبناء جلدته، ويداوي الجرحى والمقاتلين.

[8] الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب YPG نوري محمود أصدر بياناً بهذه الواقعة، بتاريخ 20 شباط 2018.

[9] أكد فؤاد عليكو، القيادي في حزب يكيتي الكردي في سوريا، وممثل المجلس الوطني الكردي في سوريا لدى الهيئة السياسية للائتلاف السوري المعارض، عبر مقطع فيديو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، على اتصالهم بست فصائل (كردية) مسلحة ومشاركة في عملية غصن الزيتون، حيث يستنتج المتابع لوقائع الحرب والاحتلال، أن دور تلك المجموعات كان محدوداً وحجمها كان صغيراً، وإن كان لوجودها معناً رمزياً مفيداً لتركيا وللمتعاونين معها.

[10]  تقرير بعنوان «أربعون يوماً من العدوان على عفرين… الحكومة التركية ترفض وقف إطلاق النار»، 28/2/2018، المكتب الإعلامي-عفرين/حزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا.

[11]  بيان «إحصائية العمليات القتالية في عفرين منذ بدء الغزو»، 7 آذار 2018، المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

[12] تقرير بعنوان « بعد قتل نحو 400 مدني في عفرين واعتقال نحو 2400 آخرين وفرض أتاوات والاستيلاء على ممتلكات ونهب أخرى… “، 23 تشرين الثاني 2018، المرصد السوري لحقوق الإنسان.

[13]     تقرير بعنوان «تقرير حقوقي عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة من قبل القوات التركية والمجموعات المسلحة…”، دمشق 22/4/2018، الفيديرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان.

[14]     مذكرة « نـداء ومناشدة لإنقاذ عفرين»، 24 / نيسان (إبريل) 2018، إلـى:

–      الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، السيد أنطونيو غوتيريش.

–      المبعوث الأممي إلى سوريا، السيد ستيفان دي مستورا.

–      مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، السيد زيد رعد الحسين.

–      لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

–      وزراء خارجية (الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا الاتحادية، الاتحاد الأوربي، جمهورية الصين الشعبية، المملكة المتحدة، جمهورية مصر العربية، الجامعة العربية).

–      المنظمات السورية والإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان.

–      الرأي العام العالمي وجميع المدافعين عن قيم العدالة والحرية والمساواة.

[15] مذكرة إلى الأمم المتحدة، 29/5/2018، الموقعون على المذكرة: (التحالف الوطني الكردي في سوريا، حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، الحزب الديمقراطي التقدّمي الكردي في سوريا، حزب التآخي الكردستاني، مركز عدل لحقوق الانسان في سوريا، اللجنة الكردية لحقوق الانسان في سوريا “الراصد”، المنظمة الكردية لحقوق الإنسان DAD، جمعية الشعوب المهددة – فرع ألمانيا، مؤسسة ايزدينا Ezdina، مؤسسة البناء القانوني من أجل تنمية الفكر القانوني Binyat، الجمعية الثقافية الكردية في بلجيكا HÊVÎ، مركز ليكولين للدراسات والأبحاث القانونية – المانيا، الهيئة القانونية الكردية).

[16] مصطلح أطلقه على أنفسهم الذين يؤيدون ويؤمنون بفكر الزعيم عبد الله أوجلان الملقب بـ (آبو- العم( والمعتقل منذ ما يقارب 20 عاماً في سجن إمرالي- بحيرة مرمرة التركية.