جديد الموقع

نوجين مصطفى:
الشعور بعدم الترحيب هو من أسوأ ما قد يشعر به الانسان

 فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن قائمة بي بي سي لأكثر »100 امرأة» تأثيراً وإلهاماً حول العالم لعام 2018

جريدة الوحـدة*

الذكاء وقوة الإرادة أعطتها قدرةً على تجاوز صعاب الحياة ومحنها. بسبب الحرب في سوريا، انتقلت أسرتها من حلب إلى منبج ومن ثم إلى مدينة كوباني، ولكن عدوان داعش، أجبرها للرحيل إلى تركيا صيف 2014، وفي أيلول 2015، اختارت طريق اللجوء إلى أوربا، مثل بقية السوريين الذين ضاقت بهم الدروب والمخاطر، وصلت مع شقيقتها الأكبر وأقارب آخرين إلى جزيرة ليسبوس اليونانية بعد عبور البحر على ظهر قارب مطاطي «بلم»، إلا أن شعور القلق والخوف من افتقداها لكرسيها المتحرك وسط البحر ظل يلازمها مثل كابوس مزعج. وأصبحت شهيرة بعد نشر صورة لها من قبل مصور مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ورافقها فريق من إعلاميي « بي بي سي» في رحلة اللجوء من أثينا-اليونان إلى مقدونيا وأخيراً إلى ألمانيا.

تقارير صحفية وتلفزيونية عديدة نقلت ولاتزال قصة نوجين مصطفى- فتاة كردية سورية من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهي من أهالي كوباني- مواليد عام 1999، عاشت صغرها بحي الشيخ مقصود – مدينة حلب، وبسبب شلل دماغي أصابها منذ الولادة، هناك نقص في وظائف عضلات أرجلها، فهي مقعدة على كرسي متحرك.

وذكرت الجزيرة نت 30 أيلول 2015، إن المذيع البريطاني الشهير»جون أوليفر» خلال حلقته مساء الأثنين 28 أيلول 2015 فاجأ متابعيه، بتناوله الساخر لمواقف رؤساء الدول الأوروبية من أزمة اللاجئين السوريين، من خلال عرض قصة نوجين مصطفى، التي عرضتها قناة «بي بي سي» البريطانية، ودعوته لمشاهديه للتعرف على كيفية تَعلُّم نوجين للغة الإنكليزية، ثم عرض مقطعاً من حوارها وهي تقول إنها تعلّمت بفعل متابعة المسلسل الأميركي الشهير «أيّام في حياتنا» (يعرض على شبكة «أن بي سي» منذ العام 1965 إلى الآن)، مشيرةً إلى أنها شعرت بالحزن لموت أحد أبطال المسلسل «إي جاي»، فقام أوليفر بعرض مشهد جديد من ذاك المسلسل يظهر عودة «إي جاي» إلى حبيبته سامي، تحقيقاً لحلم نوجين. وقالت الجزيرة: «مبادرة جون أوليفر بتحقيق حلم نوجين، قوبلت بإيجابيّة كبيرة في وسائل الإعلام، وتمّ تناقل مشهد عودة «إي جاي» من الموت عشرات آلاف المرّات.».

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على صفحتها الالكترونية، تقول: «نوجين مصطفى هي داعمة ناشطة لحقوق اللاجئين الشباب، وقد تحدثت في عدد من المؤتمرات الرفيعة المستوى، بما في ذلك تلك التي أجرتها المفوضية حول العمر ونوع الجنس والتنوع في قصر الأمم في جنيف، وفي منتدى تيدكس الدولي في المملكة المتحدة والعراق. كما كانت نوجين المتحدثة خلال حفل توزيع جائزة نانسن للاجئ لعام 2017.».

وشاركت نوجين في اجتماع لمجلس هيومن رايتس ووتش بمدينة زيوريخ السويسرية- حزيران 2018، تحدثت فيه عن قصتها، والأوضاع الإنسانية الصعبة للسوريين عموماً.

جاء في تقرير لـ BBC، 30/11/2018: (نشرت نوجين سيرة حياتها في كتاب كتبته باللغة الإنجليزية، بعد وصولها إلى ألمانيا في أواخر عام 2016، شاركتها الكاتبة البريطانية كريستينا لامب… الكتاب مليء بالأحداث والآلام والتفاصيل الحزينة أحياناً، والمرعبة أحياناً أخرى، ويُخيل للقارئ للوهلة الأولى أنها قصة من وحي الخيال، لكنه سرعان ما يدرك أنها الحياة الحقيقية التي عاشتها نوجين في زمن الحرب.). و (الكتاب لا يشمل فقط رحلة حياتها المليئة بالتحدي وتفاصيل تجاوز العقبات في كل مرحلة، بل هو أيضاً رسالة إلى العالم، بينت فيه الوجه الإنساني للاجئين الذين تركوا بلدانهم رغماً عنهم بسبب الحروب، وكيف أنهم ليسوا أرقاماً ليخافها الغرب، بل بشرٌ جارت عليهم الحرب، وكيف أنهم قادرون على المساهمة في بناء المجتمعات والبلدان التي لجأوا إليها.). تُرجم الكتاب إلى 13 لغة عالمية، وضمن فعاليات معرض «زمن الكتب» الذي اختتم في صيف 2017، بمدينة ميلانو الايطالية، قدّمت مديرة التحرير في دار «هاربر كولينز» السيدة فيفيانا ماتزا رواية «رحلة نوجين اللامعقولة»،

تحوّلت نوجين خلال فترة قصيرة، بفضل الكتاب، إلى بطلة معاصرة؛ وتجربة اللجوء منحتها زخماً جديداً في الحياة. وحسب التقرير، اختيرت ضمن قائمة بي بي سي لأكثر « 100 امرأة» تأثيراً وإلهاماً حول العالم لعام 2018.

كما جاء في التقرير: (« وتميزت نوجين ببساطتها وعفويتها وروحها المرحة، التي ألهمت الملايين ممن شاهدوا قصة حياتها على شاشات التلفزيون العالمية، والتي كانت بدايتها من قناة بي بي سي التي رافقتها رحلتها على الحدود ونقلت تفاصيل مدهشة عن شخصيتها عندما كانت في الـ 15 من عمرها، وكان ذلك في أواخر عام 2015.

فألهمت العالم من مشاهير سياسة وإعلام ورياضة ونجوم السينما والشاشات العالمية وذوي الاحتياجات الخاصة والمراهقات والمراهقين.». وتقول نوجين: « رغم أنني لا أستطيع المشي، إلا أنني لم أكن سلبية تجاه إعاقتي، بل كان ذلك دافعاً قوياً بالنسبة لي لتحقيق ذاتي وتطويرها، فلجأت إلى العلم والكتب»، وتضيف: «وعندما كنت أفكر في رحلتي عبر البحر، كنت قد قلت لنفسي إما أن أبدأ من الصفر أو أموت والابتسامة على وجهي، لكنني كنت مصرة على خوض التجربة»).

في قاعة مليئة بالساسة والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين، وكل الأنظار متجهة إليها والكاميرات موجهة إليها، صباح يوم الأربعاء 29 آذار 2017، أخبرت نوجين البرلمانيين الأوروبيين بتفاصيل مأساتها ومأساة السوريين وحياتها الجديدة في ألمانيا، وطالبت بتحسين أوضاع اللاجئين من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك باقي اللاجئين.

في لقاء مصور مع إعلام مركز برجاف قالت نوجين: «كنا سعداء بعدم سقوط كوباني وبقائها مدينة للكُـرد ولا تزال، ومشتاقة إليها كثيراً، وإلى حياتنا الاجتماعية… أتمنى أن أساعد كوباني وأوصل صوتها إلى العالم»-ترجمة عن الكردية.

وقالت في صفحتها – فيس بوك، 20 آذار 2018: «إلى عفرين الجريحة… مرةً أخرى نحن نهرب، الموت والبؤس يطرقان الباب مرةً أخرى… إن ورود ربيعنا ترتجف مرةً أخرى، نبكي دموع الدم مرةً أخرى، وفي النهاية سننتصر مرةً أخرى» – ترجمة عن الإنكليزية.

أوائل كانون الأول 2017 وجه إليها نادي برشلونة الاسباني دعوة لحضور مباراة جرت في مطلع شهر كانون الأول 2017، فحضرتها، وأصدر نادي برشلونة بياناً جاء فيه: (إن نوجين شكلت مصدر إلهام للحملة التي أقامها النادي لمناسبة الأعياد) و (عندما وصلت الفتاة الكردية السورية… إلى ملعب «كامب نو» استقبلها ليونيل ميسي والتقط الصور التذكارية معها. كما التقت لاعبين آخرين، منهم أندريس إنييستا وجيرار بيكيه.).

تقول نوجين مراراً: «أصبح صوتي مسموعاً اليوم وصرت قادرة على مساعدة الناس». فلم تكن مجرد لاجئة سورية، بل إنها أصبحت فاعلة ما أن وصلت إلى الجزيرة اليونانية وتتحدث نيابة عن أفراد مجموعتها بالإنكليزية مع من يلتقونهم، وباتت ممثلة عن اللاجئين في أوروبا، وهي ترسم صورةً إيجابية عن السوريين، على أنهم بشر يبحثون عن مكان آمن.

بروحه المرحة ودعابة كلماتها، وباللغات التي تتقنها، الكردية والعربية والإنكليزية، إلى جانب تعلمها الألمانية بتفوق، تحاكي من حولها، وتناشد الضمير الإنساني، للالتفات إلى أوضاع ذوي الاحتياجات الخاصة واللاجئين السوريين عموماً.

* جريدة الوحـدة – العدد 302 – تشرين ثاني 2018 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)