جديد الموقع

هل الكُـرد شماعة للفاشلين والمعتدين؟!…زاوية نقاط على حروف*

 

علامات ُ فارقة تُميز المشهد السوري، الذي أصبح مقيتاً، مؤلماً ومعقداً، بعد ما يقارب سبع سنواتٍ من بركان ساخن، عنفٌ وإرهاب، قتلٌ ودمار، تفتت وتشرد، فعل همجي ورد فعل وحشي، حقد وكراهية، تكفير وإلغاء للآخر، تملق وانتهازية، وصوت العقل ضعيفٌ أمام قعقعة رصاص وأصواتٍ نشاز… وكأن التجربة السورية تدحض نظريات علم الاجتماع عن تطور الشعوب والبلدان وسيرورتها التاريخية. فكيف لمجتمعٍ سوري منفتح، ساده روح الوطنية والعيش المشترك منذ مائة عام، يصبح أسير إيديولوجيات وفكر متطرف وأدوات عنف مدمرة، في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، عصر التقانة والمعلوماتية والتكنولوجيا المتطورة، وليشهد هذه التراجيديا، وكأنه مجتمع متخلف، يتقاتل أبنائه بشراسة؟!… مجتمع لم يفلح في إنتاج قوى وفعاليات تعمل على تغيير ديمقراطي وتتغلب على تلك التي ركبت أمواج الدين والقومية الشوفينية ردحاً من الزمن ولاتزال، تلك التي انتهجت العنف والسلاح وسيلةً أساسية في صراعاتها البغيضة، بل وابتكرت أساليب جديدة أكثر قسوةً وفظاظة.

دون شك، النخب السياسية التي غطت وبررت، شجعت ودعمت أو قادت جبهات الحرب في سوريا تتحمل المسؤوليات الكبرى، ولا ننسى أدوار حكومات دول إقليمية وعالمية في تأجيج الصراعات وشدها لحبال العنف والاقتتال، كُلٍ حسب أجنداته ومصالحه. ومن المؤسف، أن أي طرفٍ من أطراف الصراع في وعلى سوريا لايعترف بأي (خطأ على الأقل) قد ارتكبه، ولا يقول (لبني حامض) على حد تعبير مثلٍ شعبي، بل يرمي باللائمة على الغير المختلف، ويتباكى على سوريا وأوجاع شعبها، دون أن يكون مستعداً لتقديم تنازلاتٍ جدية في مسعى إيجاد حلٍ سياسي لأزمتنا.

لم يرُق الوضع الآمن والمستقر نسبياً في مناطق الإدارة الذاتية-شمال سوريا لأوساطٍ شوفينية عربية وتركية، التي توسعت واشتدت للأسف مع تطور الأحداث في سوريا، وبعد أن تبلورت شخصية سياسية كردية لمكون قومي يعيش على أرضه التاريخية ونال من الاقصاء والتهميش نصيباً كبيراً، بل ومظالم تاريخية واضطهاد مزدوج، على مرّ عقود، إضافةً إلى تنامي دور وحدات حماية الشعب والمرأة YPG-YPJ، فكانت لها بالعداء والهجوم أشد التنظيمات الجهادية الإسلامية تطرفاً، من داعش وجبهة النصرة وغيرهما وبدعم جهات إقليمية، بالتالي وبحكم الوقائع الميدانية وضرورات الدفاع عن النفس، وبحكم توجهاتها العلمانية الديمقراطية، وجدت وحـدات YPG-YPJ نفسها في مواجهة تلك التنظيمات التكفيرية وقتالها إلى جانب القوات الروسية في غرب الفرات بأحياء حلب وريفها الشمالي، وإلى جانب قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا في مناطق شرق الفرات، مما أكسبها سمعةً لائقة وتقديراً لدى أوساط الرأي العام الغربي ومختلف الأوساط الديمقراطية والإنسانية العالمية التي تلتقي معاً في محاربة الإرهاب ومكافحته.

روسيا هي التي أتت إلى سوريا وتمددت فيها، وليس الكُـرد ممن دعوها، بل هي ضحت بعفرين (منطقة كرداغ) لتركيا مقابل السيطرة على مناطق أخرى، وأمريكا هي التي دخلت إلى شرق الفرات وليس الكُـرد ممن طلبوا منها ذلك، وما تلك الطروحات السياسية الكردية من فيديرالية أو إدارة ذاتية أو لامركزية الدولة، سوى مشاريع في إطار وحـدة البلاد، فليس هناك من أجندات انفصالية، ولا تتوفر لها مقومات جغرافية واقتصادية وسياسية واجتماعية، يعلم ذلك العدو قبل الصديق، حيث أن تهمة الانفصال وتجزئة سوريا تُساق وتُروج ضد الكُـرد لأهدافٍ مختلفة.

سيرجي لافروف قال إن أمريكا تسعى لقيام دويلة كردية في شرق الفرات، في مسعى روسي مكشوف لاتهام أمريكا بالعمل على تجزئة المنطقة وأن وجودها في سوريا غير شرعي، في سياق صراع روسي أمريكي لا دور للكُـرد فيها… والنظام السوري يمتعض من تعاون الكُـرد مع أمريكا وكأن لهم المقدرة على طردها وليسوا مرغمين على التحالف معها من أجل دحرّ داعش والدفاع عن أنفسهم… وتركيا تطلق تهديداتها اليومية وتنفذ اعتداءات متكررة على مناطق الإدارة الذاتية ولا تتوانى عن عقد أية صفقات في سعي محموم لإلغاء الدور والحضور الكردي بتاتاً… أما أوساط معارضة سورية شوفينية هزيلة، فلا تجد غضاضة من إطلاق سمومها واتهاماتها جزافاً على الكُـرد في محاولة لتصدير أزماتها وللتغطية على فشلها المستدام وتأكيداً على ذيليتها لسياسات تركيا المريبة.

الكُـرد ليسوا شماعة لمن لهم أجندات خاصة بعيدة عن طموحات ومطالب الشعب السوري، ولا للفاشلين من السوريين الذين راهنوا على الخارج والسلاح… ولن يرضخوا لاعتداءات وتهديدات حكومة العدالة والتنمية –تركيا، بل يراهنون على إرادتهم ووحدتهم وعلى دعم ومساندة محبي السلم والحرية والمساواة.

* جريدة الوحـدة – العدد 301 – تشرين أول 2018 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)