جديد الموقع

التقرير السياسي لحزب الوحــــدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي) 30/5/2018

التقرير السياسي
لحزب الوحــــدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي)
تشهدُ الساحة السياسية الدولية منذ أواسط هذا العقد صراعاً حاداً بين القوى العظمى على مناطق النفوذ ومنابع النفط والغاز والثروات المعدنية الأخرى دون إيلاء أيّ اهتمامٍ لواجباتها ومسؤولياتها في حماية الأمن والسلم الدولييْن، وحماية البيئة من التلوث ومخاطر التصحّر التي تهدد الوجود الإنساني. وإنَّ الحربَ الدولية على الإرهاب تُجَيَّرُ في خدمة مصالح وتوسيع رقعة مناطق سيطرتها على العالم، لأنه من المعلوم لدى الجميع بأنه ما كانَ للإرهاب أن يظهر وينموَ لولا توفّر الظروف الملائمة لانتشاره، ولولا وجودُ الأسباب الفكرية والسياسية والاقتصادية ومظالم حكوماتٍ دكتاتورية تسلطيةٍ مدعومة من هذه الدول ذاتها، ومن غير المعقول أن يتمَّ القضاءُ عليه عسكرياً ما لم يكن ذلك مترافقاً بعملٍ سياسي فكري اقتصادي جماعي يساهمُ في رفع سوية الوعي وتحسين الوضع الاقتصادي لهذه الشعوب التي يتمُّ استغلالُ جهلها شرَّ استغلال، وانخفاض نسبة التعليم فيها. لقد تركَ هذا الصراعُ المشارُ إليه آثاراً سلبية على مكانة المنظمة الدولية(هيئة الأمم المتحدة) التي أصبحتْ مشلولة لا قدرةَ لها على اتخاذ قرارٍ تتأثرُ به مصالحُ جهةٍ محسوبةٍ على أحد أصحاب القرار الدولي!! مما أفقدَ هذه المنظمة وهيئاتها المختلفة المصداقية والاحترام، وفقدتْ معها دول العالم التزامها بالقانون الدولي، ولم تعد الدول تُحاسَبُ على سلوكها وانتهاكاتها للقانون الدولي بسبب غياب دور هذه المنظمة الناظمة للعلاقات الدولية. وفي ظلّ هذا الفراغ القانوني، انفلتت الدول الكبرى لتمارس العنفَ بكل تجلياته بحق الشعوب المقهورة، مسلوبة الإرادة والقرار، لتتحوّلَ أراضيها إلى ساحاتِ معاركَ تدفع شعوبُها دماً ودماراً كما يجري اليوم في سوريا واليمن وليبيا وغيرها…ويبدو بأنّ الصراع بين الأقطاب يتجهُ نحو المزيد من التعمق، وتنحو نحو اندلاع حروبٍ جديدة في المنطقة، تجلبُ معها المزيد من الآهات والويلات لشعوبها.
ففي بلدنا سوريا، وباقترابِ الأزمة السورية من عامها الثامن، تستمرُّ المأساة الإنسانية التي يعيشها السوريون بمختلف انتماءاتهم دون أن يرفّ للعالم المتحضّر ومنظمته العالمية جفنٌ حيال الدمار والويلات التي شهدها هذا الشعب الذي تحولتْ أرض بلاده إلى ساحةٍ لحروب الآخرين عليها، حربٍ قذرة لا ناقة له فيها ولا جمل. وبسبب تعنت النظام ومواصلة احتكامه إلى لغة الحرب لغة وحيدة للحل، مستنداً في ذلك على دعم ومؤازرة حليفيه الأساسيين إيران وروسيا من جهة، وتلاعبُ دول اقليمية مثل تركيا ودول الخليج بما تسمى بـ (المعارضة السورية) التي أصبحت دميةً بأياديها، تلك التي ارتضتْ بتسليم قراراها لجهاتٍ خارجية لها أجنداتها في الأزمة السورية من جهة ثانية، وعدم جدية المجتمع الدولي في وضع حدٍّ لهذه التراجيديا، لم تجد هذه الحربُ التي طال أمدها، وفاقت في عمرها وبشاعتها الحربين العالميتين طريقَها نحو الحلّ.
لقد تعثرت عملية السلام برعاية دولية وخضعت لتشوّهات عميقة ساهمتْ فيها كلٌّ من تركيا وإيران وروسيا(الدول الضامنة) خلال الفترة الأخيرة من حكم الإدارة الأمريكية السابقة التي سلمت الملف السوري إلى الاتحاد الروسي. ولم تكن الغاية من استحداث مسار أستانا هي إيجاد حلٍّ منصف للأزمة السورية ووقف نزيف الدم فيها بقدر ما كانت مكاناً للقاءاتٍ أمنية ثلاثية وعقد صفقاتٍ تخدم أجندات تلك الدول وبالأخصّ منها تركيا التي لم تعدْ سياساتها البراغماتية المخادعة تنطلي على أحدٍ، حيث تعملُ على تصريف أزمتها الداخلية وتشديد قبضتها الأمنية على المخالفين بالرأي ومواصلة العسكرة في السياسة والاقتصاد والمجتمع ونشر الرعب في المجتمع التركي عبر سجن الألوف من المعارضين وإغلاق الصحافة الحرة والتوجه نحو التفرد باتخاذ القرار، وهي تعادي الاستقرار والسلام في سوريا إن كانت للكرد أية حقوق دستورية ينعمون بها. كما أن الجميع يدركون بأن عملية مقايضة عفرين بالغوطة قد طبختْ في مطابخ أستانا وبموافقة من النظام السوري، وبموجبها تم السماح لتركيا باجتياح عفرين عسكرياً واحتلالها بغية القضاء على الإدارة الذاتية الكردية فيها مقابل صمتٍ وموافقة تركية على اجتياح الغوطة.
وبكل أسفٍ، لقد بات حلم السوريين بالعيش في ظلّ نظام حكمٍ ديمقراطي تعددي فيدرالي ينتفي فيه الظلمُ والاضطهاد مع الحفاظ على وحدة أرض بلادهم، وفي ظل دستور عصري جديد يصونُ حقوق الشعب الكردي وفق المواثيق الدولية وعلى مبدأ التوافق، واحترام حقوق جميع الأقليات القومية والمذهبية وحرية الرأي والمعتقد إلى جانب حرية المرأة ومساواتها بالحقوق مع الرجل…إلخ بات ذلك الحلمُ محكوماً بمصالح القوى الكبرى المتحكمة بالقرار الدولي.
هكذا، وفي اليوم المشؤوم 18/03/2018، دخلت قوات الاحتلال التركي مع فصائل الإسلام المتطرف كداعش والنصرة وغيرهما مدينة عفرين بعد أن صمدت القوات الكردية(قوات حماية الشعب والمرأة) وقوات سوريا الديمقراطية صموداً بطولياً وسطرتْ ملاحم الشجاعة في الدفاع عن الأرض والكرامة، ولما كانت لهذه القوات الغازية أن تدخل عفرين لولا القصف الجوي المكثف الذي أحرق الأرض ومن عليها. فبدأت قوات الاحتلال والعصابات المسلحة التي سمت نفسها بـ(الجيش الحر) بممارسة أعمالٍ استفزازية مقيتة كتحطيم تمثال كاوا الذي يعد رمزاً قومياً كردياً والإساءة إلى دور عبادة الإيزيديين والمقابر التي تضمّ رُفاة الأموات، ثم بدأت بسرقة ممتلكات الناس بصورة مبرمجة ومخزية. ولجأت قوات الاحتلال إلى مضايقة المواطنين وإهانة كرامتهم بدعوى تعاونهم مع الإدارة السابقة إضافة إلى اختطاف البعض منهم وقتل آخرين بدمٍ بارد، وصولاً إلى استكمال مشروعها في إجراء تغيير ديموغرافي ممنهج كما قال رئيسها بأنه):سيعيد عفرين إلى أهلها الحقيقيين)!!، فبدأت بإجبار المواطنين على ترك أرضهم وحقولهم ومغادرة القرى إضافة إلى عدم السماح من الفارين من أتون القصف الجوي بالعودة إل ديارهم، واستكمالاً للمخطط المرسوم، أغلق النظام السوري طريق حلبَ أمام المهجّرين وشرعَ أبواب تهريب البشر لقاء مبالغ مالية ضخمة، فساءت أحوالهم وضاقت الحياة بهم. ولا يزال قرابة 100 ألف مواطن كردي يعيشون في مخيمات اللجوء بمنطقة الشهباء منتظرين العودة إلى ديارهم بفارغ الصبر.
إلا أنّ الأمرَ المحزن الذي أزاد الوضع تعقيداً هو الاختلاف في الموقف السياسي الكردي من العدوان التركي، حيث عمدَ أحدُ أطرافها إلى التفرد بقرار الحرب والسلم، المغادرة والعودة دون التشاور مع الآخرين أو إشركهم بالقرار، والآخرُ الذي شرعنَ سياسياً للمعتدي احتلال عفرين والدعوة إلى القبول بالأمر الواقع في حالة أثلجتْ صدور المحتلين وأعوانهم، ولا يزال ذلك الطرف عضواً في الائتلاف الذي أرسل تلك الفصائل إلى عفرين لقتال أهلنا هناك.
منذ اليوم الأول للاحتلال التركي البغيض لعفرين، سارع حزبُنا وفق امكاناته المتاحة إلى دعوة المواطنين بالتشبث بالأرض وعدم مغادرتها، وعمل على تسهيل أمور العائدين والشروع بتسجيل وتوثيق كافة الانتهاكات والجرائم التي يقوم بها الاحتلال وأعوانه بحق أبناء شعبنا، كما أصدرت اللجنة السياسية لحزبنا تصريحاً يدعو فيه المواطنين المهجّرين إلى تحمّل أعباء العودة ومشقتها للاستقرار في قراهم ومدنهم في موقفٍ خاص به، وقام رفاقُ حزبنا بإجراء لقاءاتٍ دبلوماسية مع العديد من السفارات والقنصليات العالمية قدموا لهم مذكرات موثقة بانتهاكات دولة الاحتلال للقوانين الدولية وجرائم تصل إلى مستوى جرائم حرب ضد الإنسانية، مما حدا بدولة الاحتلال بشنِّ حملة تشهير هستيرية مغرضة بحق حزبنا وسياسته التي تفضح جرائمه المروّعة. ومن المؤسف أن تكون إحدى القنوات الفضائية الكردية ARK أحدى أدوات هذه الحرب الظالمة على حزبنا وسياسته، هذه القناة التي ارتضتْ إدارتُها لنفسها الترويج لسياسة الاحتلال وثقافته، والتفرّغ لمعاداة حزبنا وتشويه مواقفه النضالية المعروفة. لكننا نقول دون وجلٍ: لا شكّ بأن حزبنا خلال مسيرته النضالية قد أخطأ هنا وأصاب هناك، وهذا أمرٌ طبيعي حيث ليس هناك في التاريخ حزب أو حركة سياسية خط بيانه النضالي في تصاعد مستمرٍ، بل هناك انكسارات وتراجعاتٌ تتعلق بطبيعة المرحلة وطوارئ غير محسوبة، وإننا نعتذر لأبناء شعبنا عما بدر منا من أخطاء، لكننا واثقون بأننا نرسم سياستنا بملء إرادتنا الحرة، وقد رفضنا ولا نزال نرفض الإملاءات من أية جهة كانت، ولم نخضع يوماً لبريق المال السياسي أو مراضاة هذه الجهة أو تلك، وسنبقى نواصل النضال السلمي دون كلل، ولن ندعَ شعبنا وحيداً في مواجهة التحديات تحت أية ذريعة كانت، أو جعله رهينة بيد من يقامرون بمصيره ومستقبله. لن نركع أمام المحتل ولن ندع لليأس أن يتخلل إلى نفوس شعبنا، نحن ماضون في سياستنا النابعة من قناعاتنا، وسوف تشاركنا في هذا التوجه عشرات الألوف من المستقلين وأصحاب الرأي والقلم في مسيرتنا هذه، وستبوء هذه الحملة البربرية الظالمة على حزبنا وترويع شعبنا بالفشل الذريع.
ختاماً، نؤكّد مرة أخرى بأن المصلحة العليا لشعبنا تكمنُ في إعادة النظر بمجمل الحسابات والمواقف السياسية لأطراف الحركة، وأيُّ قفزٍ فوق هذه الحقيقة، إنما يهدف إلى ديمومة حالة الشقاق والعداء بين الأشقاء، تلك التي يبتغيها أعداء وجودنا. ونجدد دعوتنا القديمة بتجاوز عقدة السياسات التحزبية الكيدية وعقدة الانتقام، والركون إلى ضرورات مصلحة شعبنا التي تكمن بعقد جلسة حوارية شاملة لكل الأطر والأحزاب الكردية والاتفاق على برنامج عملٍ وتحركٍ مشترك لأجل عفرين ومخاطر التغيير الديموغرافي وسياسة التطهير العرقي التي تتعرض لها في ظل تعتيمٍ إعلامي مبرمج، وجعل هذه النقطة الأساس المشترك للالتقاء وتوحيد الصفوف.
للجنة السياسية
لحزب الوحـــدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي)
30/05/2018