جديد الموقع

إيقاظ الفتن النائمة أو لعبة الموت المجاني … د. منير شحود*

 

لم تصل أي من بلدان المشرق إلى مستوى دولة القانون بالمعنى العصري للكلمة، وحتى تلك التي حاز فيها القضاء على بعض الاستقلالية، مثل مصر، لم تنجُ من محاولات تغوُّل بعض الجهات التنفيذية ذات الطابع الأمني من وقت الآخر، ما جعل أنظمة هذه البلدان توصف بالاستبدادية بحق، لكن مع اختلاف الدرجات والمستويات. بحلول «الربيع العربي» والفوضى التي تلته، وجدت بعض القوى الداخلية والخارجية الفرصة مناسبةً للتلاعب بالمكونات المجتمعية وإثارة الفتن والمخاوف، الدينية والطائفية والأثنية، لتمرير مشاريعها ومصالحها.

ثمة حدثان هامان في بلداننا أواخر القرن المنصرم وضعا الصراعات المذهبية في طور الكمون من جديد بعد خمودها منذ مطلع القرن؛ «الثورة الإيرانية» عام 1979 وما رافقها من محاولات نشر التشيُّع في مناطق مختلفة من بلدان المنطقة، وظهور منظمة «القاعدة» كشكل من الإسلام السني المتطرف. وقد تأثر المناخ السوري بهذين الحدثين، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

في سوريا، أيضاً، تكشّفت تلك البنى التي لم يكن الاستبداد يسمح بالحديث عنها، لكنه سمح لنفسه بالتلاعب بها، ضماناً لدوام تسيده وهيمنته على المجتمع. ولم تمض أشهر على الثورة حتى شاركته قوى طائفية متسلقة على مطالب الحرية والكرامة هذا المسعى غير الحميد.

ولئنْ كان لاستخدام الورقة الطائفية وقع الصاعقة في البداية، بخاصة في المناطق المختلطة، فقد تراجع أثرها على المستوى الشعبي على نحو مضطرد، وأكاد أقول الآن بأنّ هذه الفتنة قد شارفت على الأفول، وهي تنتظر فكّ أسر السوريين في «غيتوات» الاستبداد القديمة والحديثة ليرموا ببقاياها على هامش التاريخ.

أولى الحالات ذات الطابع الطائفي في الثورة كنت قد شهدتها في حي القدم بدمشق أواسط شهر آب 2011، حين ارتقى شبان المنصة ومنعوا الأستاذ عارف دليلة من إلقاء كلمة في إحدى أمسيات التظاهر، وتمت معالجة الإشكال بالحديث عن انتماء الأستاذ عارف إلى العلويين الأحرار عوضاً عن الطائفة العلوية! كان ذلك مؤشراً على تصاعد المشاعر الطائفية إزاء العلويين وليس فقط ضدّ النظام، مثلما كان مؤشراً على صعوبة ضبط الشارع، وإمكانية أخذ عواطفه في اتجاهاتٍ متباينة. بعد أشهر، تحولت مثل هذه الانفعالات على أيدي الفصائل السلفية المسلحة إلى إعلانٍ صريح بقتال «النصيرية».

وعلى شرفات المنازل المحيطة بالساحة، راقبت النساء المتَّشحات بالسواد المشهدَ الذكوري المضطرب بتكاسل، دون أن تبدو على ملامحهنَّ مشاعر محدّدة؛ ربما شعرن بالخوف على المقرَّبين، أو أنهنَّ أملن في أن تنعكس التطورات المرتقبة على حريتهنَّ وسعادتهنّ، أو أنهنّ خبرن بالتجربة عدم التعويل على الشعارات الدينية والسياسية التي يرفعها الجنس الآخر!

كم كان تقديم المرء انطلاقاً من انتمائه الولادي الطائفي مربكاً بالنسبة لمن ارتقى إلى انتمائه الإنساني، ويُراد له أن يعود ويتقوقع في انتماء سابق شبه مهجور، واختصار هويته متعددة الجوانب بأحد مكوناتها! في الواقع، لم يكن وعي عموم الناس يتجاوز كثيراً انتماءاتهم المذهبية في ظل ملاءة وطنية مثقّبة بالأكاذيب.

لكن، ما إن تظهر المخاوف الطائفية حتى تستيقظ كل أبالسة التاريخ، فيتضخّم الشعور بالمظلومية، وتُستعاد الذكريات التاريخية، الحقيقية منها والمتوهَّمة، ويلجأ الفرد إلى انتماءاته السابقة ليحتمي بها، مجبراً لا مخيّراً في معظم الحالات، وكمن يستجير من الرمضاء بالنار أحياناً.

لاحقاً، أفضت المخاوف التي أيقظتها التنظيمات الإسلامية المتطرفة إلى اصطفاف الأقليات المذهبية والدينية والقومية وتضامنها، على الأغلب بحكم الضرورة لا القناعة، في حين دفعت الفئات الشعبية للأكثرية السنية الثمن مرتين؛ مرةً بسبب تركز الانتفاضة في مدنها وبلداتها وما تلا ذلك من قمع وتدمير، ومرة أخرى بسبب قوى التطرف والإرهاب التي حاولت أخذها باتجاه آخر تماماً.

الآن، بعد أكثر من ست سنوات، يمكن القول بأن محاولة إيقاظ الفتن في سوريا قد باءت بالفشل الذريع، وأنها لم تتفش على المستوى الشعبي كممارسة على الإطلاق، إذ لم تبق منطقة آمنة من بيئات الأقليات إلا ولجأ إليها أبناء المناطق المنكوبة، وتلقوا كل مساعدة ممكنة. لا بل أن اختلاط السوريين في زمن الحرب، ولعل ذلك من المفارقات، بدّد الكثير من الأوهام والرؤى المسبقة، ومثّل تجربةً فريدة سيكون لها آثار إيجابية على المدى البعيد.

إن الحلول الحقيقية للمشاكل الطائفية والأثنية لا يمكن أن تكون إلا بالمواطنة ودولة القانون، والارتقاء إلى المستوى الدولاتي- المؤسساتي الذي يحفظ هذه الانتماءات ولا يلغيها، لكنه يخضعها إلى انتماء المواطنة الأسمى، ما يمهد، تدرُّجاً، لارتقاء مستمر في سلم الانتماءات.

يمر خط مقاومة الاستبداد، أي استبداد، عبر كل الطوائف والجماعات، كذلك قيامة سوريا الجديدة، التي تنتظر أن يقتنع بها أغلب السوريين كنظام مواطنة جامع. وإن وضع التخوم بين الطوائف أو الأثنيات أو الأقليات والأكثرية أو العرب والأكراد، وما قد ينتج عنه من محاصصات، يُبقي سوريا على موعد مع دورات متتالية من العنف. ومن المأمول أن يشكل وعي السوريين لمخاطر التقسيم رافعةً مهمة من أجل دفع اليأس والإصرار على استعادة سوريا وطناً للجميع، يحمي ولا يفرق، وبالصيغة التي يرتضونها.

لقد أثبتت الأزمة الخليجية الأخيرة واصطفافاتها الجديدة، وبما لا يقبل الشك، أن خدعة الصراعات المذهبية هي مجرد غطاء لتحقيق مصالح قومية أو وطنية أو فئوية، على سبيل المثال، كان اجتماع إيران وتركيا على التضامن مع قطر خارج أي إطار مذهبي. وعلى السوريين الذين تورطوا في التحريض للعصبيات القاتلة أن يستفيدوا من دروس الحاضر على الأقل، ويعملوا على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل مستقبل أجيالنا القادمة.

 * جريدة الوحـدة – العدد /290/ – أيلول 2017 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)