جديد الموقع

‹درع الفرات› ومشروع ‹إصلاح شرق الأناضول› … حسين جمو*

قد يبدو غريباً الربط بين مشروع ‹درع الفرات› التركي شمالي حلب ببرنامج أمني تركي عمره الرسمي 92 عاماً، وهو برنامج ‹إصلاح شرق الأناضول›. الغرابة لا تعود هنا على دائرة المعارضة السورية، فقراءة الأحداث لديها عمقها ست سنوات فقط، وفي أحسن الأحوال يتم شق قنوات طائفية لتفسير الأحداث، حتى تلك المتعلقة منها بالجانب الكردي، بل المقصود شريحة كردية تريد التأسيس لسياسات تعتبر أن التاريخ الذي يعود إلى 100 عام، زمن ميت! مثل هذه المقاربة تؤسس لقاعدة مضللة في السياسة، ومثال ذلك ما هو متداول بقوة سراً أو علناً، وهو تحميل حزب العمال الكردستاني مسؤولية عدم فتح صفحة جديدة مع الدولة التركية، وهي مقاربة تكمن خطورتها في تبرئة مئة عام من برنامج الهندسة الاجتماعية التي تسيرها الدولة التركية بغض النظر عن الحزب الحكام.

إذا قمنا بصياغة جديدة للفكرة، ستكون كالتالي: أولئك الكرد الذين أوقفوا ‹درع الفرات› قرّاء بارعون لتاريخ ‹هندسة الإبادة› التركية، وهذا أفقد الفصل الجديد من برنامج ‹إصلاح الشرق› عنصراً أساسياً: صعوبة تمرير الأكاذيب التي انطلت رغم ذلك على الكثير من الكرد، وكاد هؤلاء أن يصبحوا جنوداً في ‹درع الفرات التركي›!

ما علاقة درع الفرات ببرنامج ‹إصلاح الشرق›؟

مجلس إصلاح الشرق

تحمل الكرد مئة عام من النتائج الكارثية لهذا المشروع الذي صاغه مجموعة من الأكاديميين، وعلى رأسهم الكردي التركي ضياء كوك آلب. تم وضع البرنامج على مدار سنوات من البحث الأكاديمي، وبدأ العمل بتطبيقه منذ الحرب العالمية الأولى عام 1914، لكنه تحول إلى ‹برنامج الدولة› منذ نهاية حرب الاستقلال وإعلان الجمهورية عام 1923.

أقر البرنامج كسياسة رسمية للدولة في 8 أيلول 1925. كلف مصطفى كمال اتاتورك مجلساً خاصاً لصياغة تقرير شامل عن ‹إصلاح شرق الأناضول›. وترأس عصمت إينونو، الكردي أيضاً، ‹مجلس إصلاح الشرق› وضم في عضويته كبار ضباط الجيش ومسؤولي الدولة. وجاء المشروع امتداداً للانتصار السريع الذي حققه جناح إينونو – فوزي جقمق على جناح فتحي أوكيار، أول رئيس وزراء لتركيا.

حينها كتب عضو المجلس، مصطفى عبدالقادر رندا، تقريره في غضون أسبوع وقدمه في 14 أيلول 1925، ووفقاً للتقرير الميداني: عدد سكان شرقي الفرات 1,360,000 نسمة، منهم 993 ألف كردي و251 ألف تركي، و117 ألف عربي. وتقصى التكوين العرقي في المحافظات الشرقية، متحسراً على ‹الهيمنة الاقتصادية واللغوية للأكراد› في معظم المحافظات الشرقية.

عارض رندا فكرة التعايش التركي الكردي الذي كان قد دعا إليه أستاذه ضياء كوك آلب وفق قاعدة أن البقاء سيكون للشعب الأكثر تحضراً. وبدلا من ذلك اعتبر رندا أنه من الضروري توطين الأتراك هناك في محاور استراتيجية. في محور دياربكر، تطلب أن يتم التوطين من عينتاب إلى دياربكر على طريق أورفا.

لعبت عوامل عديدة في عدم نجاح البرنامج بشكل كامل، أولها نقص السكان غير الكرد ممن يمكن توطينهم هناك. أقصت العشائر الكردية – رغم هزيمتها العسكرية على أيدي الدولة- بسهولة بعض التجمعات الحديثة للشركس والبلغار في محيط دياربكر. وصل الأمر إلى تفكير المجلس في استيراد الآذريين لولا عائقين: الأول معارضة السوفييت، والثاني المذهب الشيعي لغالبية الآذريين.

نجح المشروع على مدار سنوات في رفد برامج فصل السكان عن اللغة، وهو مبحث آخر طويل ومليء بالوقائع المرعبة في دقة التنفيذ، مثل الترويج للغة التركية وتجريد السكان من السلاح وتهجير النخب، إلى درجة أنه لم يبق هناك ثري واحد في كردستان بحلول عام 1929 بحسب استقصاء قام به السفير البريطاني في أنقرة جورج كليرك.

هل فشل المشروع؟

في الواقع نجح خلال مئة عام في مستوى لم يتم الإفصاح عنه بشكل علني، وتمثل في ‹تتريك› المناطق الكردية غربي الفرات داخل تركيا (أديامان – مرعش- عينتاب – ملاطية). لم تكن الغالبية الكردية في هذه الولايات ساحقة، لكن أيضاً لم تكن نسبة أقلية معزولة، مثلاً في عينتاب كانت نسبة الكرد هناك لا تقل عن 60 %. حالياً قد تصل النسبة الناطقة بالكردية إلى 20% فقط. وهكذا بالنسبة للولايات الأخرى المذكورة. أين اختفى الكرد؟

توقف برنامج ‹إصلاح الشرق› بعد أن أصبحت له قوة دفع ذاتية لا تحتاج إلى تسيير علني. اندمجت برامج الهندسة الاجتماعية مع الأجهزة الأمنية، لكنها اليوم باتت تحت التهديد بفضل وعي الطبقة السياسية الكردية هناك بجذر المشكلة ونجاحها في تعطيل جزئي لقوة الدفع الذاتية لسياسات الصَهر الثقافي.

لكن جزءاً من البرنامج توسع إلى خارج المنطقة الكردية الصلبة الواقعة شرقي الفرات، أي انتقلت إلى غربي الفرات حيث المنطقة الكردستانية هناك رخوة، وآليات المقاومة الذاتية هشّة. الجزء المتعلق بتسيير الدولة لسياساتها في هذه المنطقة لا تحتاج إلى تنقيب، فالهدف فصل غربي الفرات الكردي عن المشروع القومي الكردي شرقي الفرات ضمن خطة احترازية يأخذها الخيال السياسي التركي على محمل الجد: في حال أي انهيار للدولة التركية بمؤامرة غربية، على الكرد أن يبقوا بعيدين عن التحكم بضفتي الفرات، وكذلك إبعاد أحلامهم بالوصول إلى البحر!

هذه العملية ساهمت فيها حركات اليسار التركي التقليدي، حزب العمال الثوري مثلا، وحزب الشعب الجمهوري في بعض مراحله، وكذلك الحركات التي تشكل منها لاحقا حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت اجاويد.

في كتاب باللغة الكردية عن الأغاني الشعبية في منطقة مرعش، يتحدث الكاتب علي ألخاسي في المقدمة عن مشكلة اللغة في مرعش بين الأكراد، حيث نسبة كبيرة لا تتحدث اللغة الأم، أو يتحدثونها بركاكة. يضع ألخاسي اللوم – وهنا المفاجأة – على التنظيمات اليسارية الراديكالية المتمردة على الدولة، لأنها كانت تلتزم باللغة التركية لغة الاجتماعات والمجتمع. ويروي حوادث شهدها بنفسه عن تعرض اللغة الكردية ومتكلميها إلى الإهانة والطرد من الاجتماعات الحزبية ‹الثورية›. كما لم تكن الأغاني الكردية مسموحة في الفقرات الفنية لتلك الاجتماعات، وبالتالي، النسبة العظمى من الأكراد الذين كانوا منظمين في اليسار التركي باتوا أكراداً بلا لغة، ونقلوا هذا الداء إلى عائلاتهم.

وجهة نظر من زاوية جديدة كلياً، ربما تضع في السياق الصحيح الأسباب التي دفعت مجموعة يسارية كردية وتركية إلى الانفصال عن اليسار التركي القومي وتأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978. وهناك حاجة معرفية للإضاءة على المسألة اللغوية لدى اليسار الثوري التركي منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي.

في لقائه مع محاميه بتاريخ 5 أيار 2011، أشار الزعيم الكردي الأسير عبدالله أوجلان إلى هذا مشروع ‹إصلاح الشرق› بالقول:

«إن عملية تفريغ المنطقة من الكرد، لم تتم ممارستها فقط في سرهد، بل طبقوا هذه السياسة في ملاطيا، آلعزيز، آديمان، عنتاب، مرعش. وبالأصح في كل المناطق الواقعة غربي نهر الفرات. هذا المخطط هو مخطط متكامل وشامل. هو مخطط مبرمج لمدة مئة عام. بدون رؤية هذه الممارسات لا يمكن فهم الحاضر الذي نعيشه، ولا يمكن ممارسة السياسة».

بالنظر إلى واقع اليوم، فإن جزءاً من تفسير عودة الدولة التركية إلى خيار الحرب، على صلة بالصراع حول هذا المشروع. حزب الشعوب الديمقراطي تجاوز ‹الخطوط الحمراء التركية› المرسومة: تمدد الحزب غربي الفرات وبات يعيد لملمة شتات الكرد في أديامان ومرعش وعينتاب وملاطية.

فرع ‹درع الفرات›

يمكن قراءة التخلي التركي عن مشروعها في الهيمنة على سوريا والاكتفاء بدلاً من ذلك بجزء صغير من شمال حلب ضمن سياق أحد محاور مشروع إخلاء غربي الفرات من الكرد، وكل ما عداه من تفسيرات كردية، إنما هي أمور فرعية يجري تضخيمها لأغراض أقل ما يقال عنها بأنها غير نزيهة، أو بسبب نقص الجانب المعرفي بـ‹الدولة التركية› واعتبار هؤلاء حزب العدالة والتنمية ‹دولة عميقة›  تعمل سراً ضد الأسس التي قامت عليها تركيا!

‹درع الفرات› ملحق حديث لبرنامج ‹إصلاح الشرق› قامت الدولة التركية بنقله إلى الجزء السوري من غرب الفرات، لتكمل بها ما كانت تقوم به خلال 100 سنة مع أكراد غرب الفرات داخل تركيا الحالية.

بإيقاف العمليات، عمليات درع الفرات، لا يعني نهاية المشروع الإبادوي «لا أكراد غرب الفرات»، ستكون هناك أشكال أخرى منها. من بينها مشروع تأسيس مدينة جديدة شمال حلب لتوطين المهجرين من المدن السورية، وهذا يعني أن المشروع التركي يحتاج إلى عمليات تهجير يقوم بها النظام السوري ليملأ الفراغ. قبل 100 عام واجهت الدولة التركية نقصاً في البدائل السكانية،  اليوم يوفر النظام السوري عبر المصالحات برعاية روسيا مورداً غنياً لتوطينهم شمال حلب. النتيجة: محاولة حرمان الكرد من المشاركة في إدارة مناطق غرب الفرات وإلحاق المنطقة بالدائرة (ب) – أي غربي الفرات – من مشروع إصلاح الشرق.

توسيع تركيا مشروع ‹إصلاح الشرق› إلى شمال حلب يعني في مستوى آخر تجاوزها لاتفاقية لوزان 1923، وإلغاء هذه الاتفاقية المطلب الأول لدياربكر. حينها من المرجح ألا يقبل الكرد حتى تلك الاتفاقية التي نقضتها العصبة الحاكمة بإدارة أتاتورك وإينونو وجقمق: اتفاقية الحكم الذاتي الكردي في شباط 1922.

وفق هذه المعطيات، من المرجح أن يبدأ الكرد وحلفاءهم في قوات سوريا الديمقراطية إطلاق المرحلة الثانية من إنهاء ‹درع الفرات›، عبر إخراج الأتراك من هذه المنطقة قبل أن يشرعوا في تنفيذ مخططاتهم في الهندسة السكانية.

هذه حلقة من حرب مستمرة منذ لوزان 1923، خسر فيها الكرد منذ ذلك الوقت 92 عاماً وعدة ملايين من السكان، لكنهم يحصدون نقاطاً جيدة منذ عامين ضد هذا المشروع في روجآفاي كردستان.

* موقع روك – 30 آذار 2017

‹درع الفرات› ومشروع ‹إصلاح شرق الأناضول›