جديد الموقع

بعيداً عن العنف… والتراجيديا السورية ليست أولوية كبرى …افتتاحية الوحـدة *

بات الجميع في مرحلة عصيبة، لما وقع لسوريا ما وقع من دمار وارتكاب فظائع بحق شعبها، ليغدو الوضع السوري بين أيدي الخارج الذي راهن عليه، مع الأسف، معظم أوساط المعارضة منذ بداية الأزمة، والنظام من جهته تمادى في خياره الأمني – العسكري بالاعتماد على داعميه الخارجيين أيضاً،… ومساعي العمل على تخفيف سعير الحرب وتهيئة الأجواء لتسوية ما تدور في حلقةٍ شبه مفرغة.

السوريون تأملوا خيراً من الاتفاق الروسي – الأمريكي حول تسوية للأزمة السورية – غير المنشور – ، والذي تم بين وزيري خارجيتي البلدين ( كيري – لافروف ) في جنيف، يوم الجمعة 9 /9 /2016، إلا أن اختلاف وجهات النظر حول كيفية تطبيق الاجراءات العملية، وسقوط هدنة حلب، واستمرار الطيران الحربي السوري والروسي بقصف الأحياء الشرقية منها، وتوقف الأمم المتحدة عن ارسال المساعدات بعد تعرض إحدى قوافلها لهجوم غادر، … قد جمدت خطوات التسوية، بل وتبادلت إدارتا البلدين الاتهامات والحملات الاعلامية.

النظام وبمساعدة حلفائه يسعى لكسب المزيد من المناطق، وهو يحاصر العديد منها ويُجبر أهاليها على الاستسلام، وذلك بلغة الحديد والنار. في الوقت الذي  تتحدث فيه تقارير عن إرسال أسلحة نوعية جديدة للمعارضة المسلحة بتمويل خليجي وموافقة أمريكية، في دوامة جديدة من مضاعفة العنف والتدمير والسعي وراء فرض وقائع جديدة، بدلا من صب كل الجهود واستثمارها في محاربة ومكافحة شبكات آفة الارهاب. إضافةً إلى أن انتخابات الرئاسة الأمريكية وقرب انتهاء ولاية إدارة أوباما تحدّ من نشاط دبلوماسيتها أو اتخاذ قرارات حاسمة في الشأن السوري.

روسيا الاتحادية عززت ورسخت نفوذها السياسي وحضورها العسكري بحراً وجواً وبراً، وأعادت ترتيب علاقاتها في المنطقة من خلال الأزمة السورية، وأمريكا غرزت مخالبها أكثر في المنطقة عبر وجودٍ عسكري فاعل للحرب على داعش في العراق وسوريا، وحققت إنجازات عملية في ملفات هامة. لازالت الدولتان النافذتان تتصارعان على سوريا ولم تصلا بعد إلى تفاهم تام حول مآلات أزمتها، ويبدو أن مأساة السوريين ليست أولوية كبرى بالنسبة لهما ولغيرهما من الدول.

الحكومة التركية التي تلعب على الحبال في محاولةٍ لإعادة نفوذها وتعزيز دورها، بعد اخفاقات مؤلمة، وضعت قدميها في شمال سوريا عبر عملية (درع الفرات) واحتلالها لمدينة جرابلس السورية، برضى روسي وأميركي، وباسم “محاربة الارهاب”، وهي ترمي أساساً إلى تطويق نفوذ وحـدات حماية الشعب وضرب أي مشروع سياسي كردي أو وطني يحمي حقوق جميع مكونات الشعب السوري، معتمدةً على بعض الفصائل الإسلامية المتطرفة وكتائب تركمانية تتقدم ببطء رغم تزويدها بالكثير من العناصر المستقدمة من خارج المنطقة. حكومة أنقرة تسعى جاهدة لاستغلال المكون التركماني في سوريا ودفع بعض أبنائه باتجاه خلق فتنة مع الكُـرد السوريين الذين تجمعهم علاقات صداقة ووئام مع جميع المكونات السورية.

وسط تضارب المصالح والتوجهات، الشعب السوري ومدينة حلب بأهاليها وتاريخها، بعمرانها ومكانتها الاقتصادية تدفع الضريبة الكبرى، وتستمر التراجيديا بفصول سوداوية.

مؤسسات المجتمع الدولي الرسمية، باتت مكبلة بإرادات المصالح والسياسات ومنطق المساومات، في وقتٍ بات الجميع بحاجة ماسة إلى تعزيز قيم إنسانية حضارية والدفاع عنها بلاهوادة، وتضافر الجهود في وجه براثن مخاطر تفشي الارهاب والفقر والجهل.

رغم أن السوريين عامةً باتوا مسلوبي الارادة والقرار إلى حدٍ كبير، لكنهم يبقون أصحاب الشأن الحقيقيين ولهم دورهم الأساسي في لملمة جراحهم ولوضع حدٍ لمأساتهم، وما دام وقف إطلاق النار والبدء بحل المسائل الانسانية هو مفتاح الدخول في تسوية الأزمة وإيجاد حلٍ سياسي لها، يتوجب عليهم المضي بخطوات هامة لبلورة المشتركات التي من شأنها استعادة الثقة بينهم وتؤهلهم للعمل على إنقاذ بلدهم، وذلك عبر التلاقي واعتماد لغة الحوار بعيداً عن العنف.

 * جريدة الوحـدة – العدد / 278 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

elwehde-278-1