جديد الموقع

أردوغان يقود انقلاباً عقب انقلاب ليصبح حاكماً مطلقاً… م. رشــيد

  • قلّت أهمية تركيا في الحلف الأطلسي (NATO) عقب انتهاء الحرب الباردة اثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وانضمام دول من أوروبا الشرقية إلى الحلف والاتحاد الأوروبي، والتي استضافت قواعد عسكرية ضخمة على أراضيها بالقرب من الحدود الروسية الوريثة الشرعية لحلف وارسو السابق، وكذلك بفعل تدخل أعضاء الحلف المباشرعسكرياً في العراق وسوريا وإنشاء قواعد عسكرية جديدة فضلاً عن التفاهم الحاصل بين روسيا وأمريكا في الكثير من القضايا العالمية والاستراتيجية في المنطقة.
  • تسلُّم الاسلام السياسي (الاخوان المسلمين) المتمثل بحزب العدالة والتنمية(AKP) للسلطة في تركيا واستغلالها للديمقراطية والاعتدال لإلغاء النظام العلماني البرلماني واستبداله بآخر رئاسي شمولي دكتاتوري لاستعادة العثمانية القديمة بسلطانها وأركانها، فكانت المساعي حثيثة وجادة لإمالة الجيش إلى جانبه بالهيمنة عليه، والغاء دوره المعتاد في الحياة السياسية، لذلك كان لا بد من تطهيره من أنصار گولن أولاً، لأنه الخصم والمنافس الأول لأردوغان على السلطة.
  • بفضل تنامي اقتصاد تركيا وتعاظم قواها العسكرية أصبحت لاعبة رئيسية في المنطقة، وبدأت تخوّف وتؤرّق الحلفاء بزعامة الولايات المتحدة لامتلاك تركيا لأجندات توسعية خاصة بها وقيامها بتحركات منفردة تعارض أحياناً كثيرة خططهم ومشاريعهم وتعرقلها وتفرض عليهم شروطاً ومطالب غير مقبولة كما يحصل في العراق وسوريا وقبلها في مصر وليبيا .
  • سيطرة الإسلام السياسي على تركيا وجعلها حاضنة للمجاميع الارهابية المسلحة وقاعدة لانطلاقتها وممراً لعبورها لتنفيذ عملياتها الارهابية في المواقع التي تختارها، وتعاونها مع بعض الأنظمة والمنظمات الإسلامية المنبوذة في المنطقة (حماس في غزة، هيئة علماء المسلمين في العراق، الأخوان المسلمين في مصر، داعش والنصرة ومثيلاتها بلا حدود..) وعقد اتفاقات مع دول خصمة كروسيا خارج إطار التفاهم والتنسيق مع الحلفاء تشكل خطراً على مصالحهم الحيوية ومشاريعهم الاستراتيجية.
  • تنصّل السلطات التركية عن العملية السلمية مع الكورد (حزب العمال الكوردستاني) وابقاء العزلة المفروضة على زعيمه عبد الله أوجلان واستئناف الخيار العسكري، والمبالغة باستخدام القوة العسكرية ضد أنصار(PKK) في القرى والبلدات الكوردية أدت إلى تدميرها ونزوح أهلها ووقف الحياة فيها، وبالتالي خلقت ردات فعل عن طريق التفجيرات والعمليات المباغتة النوعية والمتتالية والتي تنفذها في مناطقٍ مختلفة في عمق تركيا هزت أركانها وأخرجتها عن طورها كدولة قانون ومؤسسات وجعلت من الوضع الداخلي غير مستقر وغير آمن.
  • تورّط تركيا في المستنقع السوري، وانخراطها في الصراع الطائفي(الشيعي – السني) المقيت، ومحاربتها الصارخة لتطلعات الشعب الكردي عامة وفي سوريا خاصة، وعلاقاتها مع داعش والنصرة وأخواتهما، لا سيما بعد اعلان تركيا الحرب عليها إلى جانب الحلفاء، ستكون لها تداعيات وانعكاسات خطيرة ومدمرة عليها، إضافةً للعواقب الوخيمة التي ستجنيها نتيجة صراعها الطويل والشاق مع جماعة فتح الله گولن في الدولة .
  • إمساك تركيا بعدة ملفات هامة كملف المعارضة السورية، وخطوط عبور النفط والغاز وتسويقهما، وموجات اللاجئين والإرهابيين من وإلى أوروبا، وقاعدة انجرليك الجوية .. وغيرها من الملفات تجعلها في موقع الاشتراط والابتزاز مع الغرب، وبخاصة الاتحاد الأوروبي الذي يطالب تركيا بتوفير الشروط والمعايير اللازمة لانضمامها، وهذا ما يزيد من تحفظ الغرب وتعنته تجاهها.

فشل الانقلاب العسكري:

    يعتبر الجيش التركي الحامي الأساسي للنظام العلماني، يتدخل في الزمان والمكان اللازمين بأمر من الدولة التركية العميقة وبدعمٍ وغطاءٍ من الولايات المتحدة حليفتها العتيدة لتصحيح المسار وإعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية عندما ظهور تجاوز أوتجاهل لثوابت الجمهورية التي وضعها كمال أتاتورك، أوعند الشعور بخلل أو اضطراب أو خطر على العملية السياسية في البلاد.

    فشل الانقلاب العسكري الرابع والأخير(15/7/2016) يعني هزيمة الدولة العميقة ويدها الطولى (العسكر) وعدم تحكمها بخفايا الأمور وزمامها، وضعف نفوذ أو تقاعس الحليف الأمريكي، وهذه بحد ذاتها مؤشراتٌ خطيرة  نتناول خياراتها واحتمالاتها :

  • فشل الانقلاب بتخطيط أمريكي ( بدور خفي) يهدف لإخراج تركيا من دائرة الأصدقاء والحلفاء كقطع أملها في الانضمام للاتحاد الأوروبي، ودفعها لتواجه مصيرها نحو التصارع والتفتت استكمالاً وامتداداً لمشروع الشرق الأوسط الجاري تنفيذه على قدمٍ وساق وفقاً لنظرية الفوضى الخلاقة، والذي كان أولى حلقاته العراق ثم تلته سوريا بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، والذي يستهدف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة على أنقاض معاهدة سايكس- بيكو الاستعمارية المشؤومة المنتهية الصلاحية، وعلى أسس ومبادئ جديدة لضمان التوازن والأمن والسلام.
  • فشل الانقلاب بسبب تغيّب الدورالأمريكي (الحاسم عادة) لتقلّص نفوذها في الأجهزة والمؤسسات الهامة للدولة التركية عبر حلفائها التقليديين المعتمدين فيها، وهذا يدل على قدرة الاسلاميين للحد من تلك النفوذ والتدخلات وإضعاف هؤلاء وإقصائهم، وبالتالي السيطرة الكاملة على جميع مفاصل الدولة وبخاصة العسكرية والأمنية منها، وقيادة تركيا بسياسة مغايرة لما قبلها وبمنأى عن الدور الأمريكي المؤثر.
  • فشل الانقلاب بسبب توافق الرفض الشعبي ومعارضة القوى السياسية لحكم العسكر مع مقاومة أجهزة الشرطة المدنية التابعة للدولة الذي شكل إرادة وممانعة لإحباط محاولات بعض قيادات الجيش المنقسم على نفسه أصلاً، بسبب التغيرات التي أحدثها الحزب الحاكم في تشكيلاته وإداراته ومهامه.
  • شخص طيب أردوغان الكارزمي الذي قدم نفسه كزعيم قومي وديني منقذ وملهم بعد عقود من نشوء الجمهورية التركية وتعاقب حكوماتها المدنية والعسكرية المشبعة بالفساد والاستبداد تحت عنوان الديموقراطية الأتاتوركية، ونجاحه في تطوير الاقتصاد وتقوية الجيش ليصبحا في المراتب العليا عالمياً، مع تحسن الوضع المعيشي وقيمة الليرة التركية وارتفاع دخل الفرد وتوفر الخدمات في كافة المجالات والميادين، أصبح موضع ثقة وأمل لدى غالبية الشعب التركي بمختلف أطيافه وتياراته، وهذا ما دفعه للخروج للشارع تلبية لندائه مانعاً نجاح الانقلاب ومدافعاً عن النظام القائم.
  • فشل الانقلاب نتيجةٌ منطقية لمسرحية معدّة مسبقاً (مفبركة) من قبل أطراف معنية ومهتمة بالشأن التركي (بالتعاون مع جهات أمنية عالمية استخباراتية خبيرة) يقوم أردوغان بدورالبطولة فيها، وذلك لتثبيت أركان سلطته وتمرير دستوره الرئاسي ليصبح الحاكم المطلق، وتطهير منافسيه من جماعة گولن الذي يستقر حالياً في بنسلڤانيا بالولايات المتحدة الأمريكية تمهيداً للتحرر(الانقلاب على) من سياساته القديمة (التي تعاني التخبط والعقم والمغامرة والحماقة..) المتبعة تجاه الجوار والحلفاء، والدليل على ذلك التقارب مع الروس وتطبيع العلاقات مع اسرائيل بعد الاعتذار لهما والتراجع عن المواقف الصارمة والشديدة تجاه الملف السوري بعد لقاءات وتوافقات بوساطة جزائرية، وتشكيل حكومة جديدة (قبيل حدوث الانقلاب) برئاسة بنالي يلدرم خلفاً لداوود أوغلو المُقال وفق توجهاتٍ وتطلعاتٍ جديدة، ومدخلاً للتهرب من الاستحقاقات تجاه المنظمات والمؤسسات التي كانت تتبناها وترتبط بها بعلاقات وطيدة ومتميزة كداعش والنصرة ومثيلاتها، ومن ثم التفرّغ لترتيب الأوضاع الداخلية وحل المشاكل العالقة والمتفاقمة يوماً إثر يوم كالصراع الدائر مع PKK منذ عهود.

تداعيات فشل الانقلاب:

  • فشل الانقلاب يجعل تركيا منكفئةً على ذاتها لمدةٍ طويلة، وغارقة في أحداثها المتسارعة والمتلاحقة والمتداخلة، ومنهمكةً بمشاكلها الداخلية المتزايدة غير آبهةٍ بما حولها وغير مؤثرة كسابق عهدها في القضايا التي تحيط بها، بل ستسحب يدها من بعض الملفات بصفقات ومقايضات.
  • ستتوسع الشروخ والهوات بين الطبقات والشرائح المجتمعية وتتعمق الخلافات بين التيارات الفكرية والسياسية .
  • ستزداد التناقضات بين المؤسسات المدنية والعسكرية وستشتد الصراعات المذهبية والاثنية.
  • ستتصاعد عمليات المجموعات الارهابية المتشددة، حينها ستضطر السلطات الحاكمة لمواجهتها ومكافحتها.
  • ستصيب علاقات تركيا مع الغرب الديموقراطي المتمدن شيئاً من البرود والتوجس والتحفظ.. بسبب توجهات أردوغان الدكتاتورية، التي ستنتهك قواعد الديموقراطية والحريات العامة ومبادئ حقوق الانسان.
  • ستستمر نشاطات الـ PKK (رداً ودفاعاً) ضد الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية إذا استمرت في حصارها للمدن الكوردية وحملاتها ضد أنصار الحزب ومؤازريه من محاكمات وملاحقات وتصفيات.
  • هذه القضايا جميعها وسواها ستدفع بالسلطات الحاكمة لفرض المزيد من الإجراءات والتدابير الأمنية الاستثنائية كحالة الطوارئ والأحكام العرفية، وستغيب السلطات التشريعية والقضائية والمدنية، وستتركز كافة السلطات بيد الزمرة الحاكمة ورئيسها أردوغان، والتي من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار وتفكك النسيج الاجتماعي والوطني، وبالتالي تفشي الاستبداد والفساد وتدهور الاقتصاد وتعطل الحياة الطبيعية في البلاد.
  • ستكلف تركيا كثيراً من المال والأرواح وستحتاج كثيراً من الوقت والجهد حتى تتعافى وتتجاوز محنتها وأزمتها، والتي لم ولن تنتهي إلا بتوافقاتٍ وطنية عامة وشاملة وبحلولٍ واقعية وجذرية لمجمل القضايا الوطنية والقومية والديمقراطية وفي مقدمتها القضية الكوردية، وبتنسيق وتعاون مع الدول العظمى صناع القرار في العالم.

الكورد والانقلاب العسكري:

    في كل الأحوال الحكومات المدنية أفضل من العسكرية، وعلى هذا الأساس أحسن حزب الشعوب الديمقراطية HDP موقفاً وعملاً عندما أعلن وقوفه ضد الانقلاب، وهذا ما سيبعده وأنصاره من دائرة الملاحقة والتصفية (ولو إلى حين) التي ستقوم بها السلطات الحاكمة على الأقل في الأيام الساخنة الأولى التي ستعقب فشل الانقلاب، وسيفتح أبواباً للتحاور والتشاور داخلياً مع القوة السياسية الفاعلة على الساحة التركية لإيجاد مخارج للمشاكل الطارئة في البلاد وسيصبح عاملاً لإيقاف الحملات العسكرية المستمرة على المناطق الكوردية منذ أشهر(ولومؤقتاً) وسيوفر فرصة لـHDP  بمراجعة نفسها سياسياً وتنظيمياً ودبلوماسياً على الصعيد الكردي والتركي والدولي .

إن تركيا مقبلة  على تحولات مفاجئة وخطيرة، وستشهد أحداثاً مثيرة وأوضاعٍ استثنائية وصراعاتٍ حادة ، لذلك فإن توحيد صف وخطاب جميع الأحزاب الكوردية (hdp و pdk و azadو hak-parوغيرها) حاجة وضرورة في المرحلة الراهنة والقادمة، استعداداً لمواجهة التحديات المتوقعة والتصدي لمخاطرها، لأجل الحفاظ على الوجود أرضاً وشعباً وإثبات الحضور، وفرض المطالب المشروعة وتأمين الاستحقاقات القومية والديمقراطية المطلوبة على الدولة التركية وفقاً للمتغيرات المرتقبة مستقبلاً .

بالنسبة لكورد سوريا، فالمجلس الوطني الكردي الذي هو جزء من الائتلاف السوري (حيث تحول إلى شراذم عنصرية وعصابات ارهابية متطرفة أصبحت أدوات مأجورة بيد أطراف دولية متصارعة تنفذ أجنداتها بأبخس الأثمان) الذي أصبح مصيره في خبر كان(على كف عفريت) بسبب تقلبات سياسة أردوغان والتضحية بما كل يملك من أوراق للحفاظ على عرشه وتحقيق طموحاته، ومنها ملف المعارضة السورية الذي قايضه مع النظام والروس وايران، لذلك فانسحاب المجلس من الائتلاف هو الأفضل والأرجح للحفاظ على كيانه ومصداقيته.

أما الادارة الذاتية فستبقى رهناً للمساومات والصراعات الإقليمية والدولية، فمصيرها تحددها مصالح الدول العظمى وعلى رأسها روسيا وأمريكا ومشاريعهما واتفاقاتهما حول وضع سوريا مستقبلاً، وتتوقف أيضاًعلى مدى تفاعل أردوغان معها سلباً أو ايجاباً، ويبقى الحذر والقلق والخوف مسيطراً على مسقبل الادارة، لذلك عليها اشراك كافة القوى السياسية الكردية الفاعلة على الأرض ( وبخاصة المجلس والتحالف الكورديين) فيها لزيادة فرص استمرارها وضمان بقائها كأمرواقع وإضفاء الشرعية القومية والوطنية لها، وتوفير الغطاء الكوردستاني لها، كي لا تصبح عرضة  للرفض أو الإلغاء من قبل أية جهة متربصة و تحت أية مبررات أو حسابات أو ظروف.

    لن يتأثر اقليم كوردستان العراق كثيراً ومباشرة بما بعد الانقلاب لأن الاقليم معترف به عراقياً ودولياً، وستبقى العلاقات مستمرة طالما المصالح الاقتصادية المتبادلة مستمرة، وطالما الخلاف قائم بين الاقليم والـ pyd، وطالما المجلس الوطني الكردي(المحسوب عليه) موجود في الائتلاف السوري الواقع تحت الوصاية التركية، وطالما هناك تطابق  في المواقف تجاه المحاور الإقليمية والدولية.

    ستكون كوردستان ايران كباقي الأجزاء الأخرى نقطة التلاقي والاتفاق بين الدول المقتسمة لكوردستان (مهما تعاظمت واشتدت خلافاتها البينية) بمحاربة حركاتها التحررية وقمعها ومنعها من تحقيق أية مكاسب قومية محلياً وكوردستانياً، ولكن يبقى موقف  النظام التركي محايداً أو متجاهلاً(لفترة مؤقتة) تجاه حراك ونضال الأحزاب الكوردستانية  المنضوية تحت راية المعارضة الايرانية  لنظام الملالي باعتباره الخصم المختلف معه في المذهب والمحور والمشروع.