جديد الموقع

حكاية وطن أحاطت به وساوس الحيرة من كل الجهات… يوسف حمك

Mir Selam

لكل امرئ حنينه إلى أول مسكن احتضنه ، و مجتمع تفاعل معه ، فشخوصه طبع في صفحات مفاصل حياته الأولى .
و كل مولود قلبه متعلق طوعا” لموطن طفولته ،
و تأجج الأشواق لأناس تقاسم معهم شربة ماء أو لقمة عيش . و لاسيما حينما تنحت المعاشرة ذكراها الطيبة في القلوب . و الألفة تتعمق ، و الذكرى أكثر رسوخا”……

لوطنه حكايات و قصص بعدما توالت عليها النكبات تترى ، و روايات بالأحزان دفينة .
فها هي دمشق تروي لنا إحدى حكاياتها الموجوعة :

مير سلام نمر طفل في السادسة من عمره ، ولد في دمشق ( الشام ) .
و فيها نشأ في كنف جده لأبيه و جدته ، عاش يستأنسهما في وحشتهما … و ترعرع بين جدران منزلهما يلاعبهما ،
و تحت سقوفه يحبو مع الهواء فيعانقهما طويلا” ،
و يمازحهما مزحة” من النوع الحميم .
و مع النسمات اللطيفة يلامس خديهما لمساتا” حانية” . فيهرول في أرجاء البيت كشبح في غسق الدجى .

مع الجدران الملساء يقهقه ، و يتنفس بعمق مع السقوف . و أسماعه تترصد ضجيجا” لاصطياد موسيقا آلاته ، و مقرقعا” بعض أدواته الإيقاعية ،
و في الشارع يمتطي دراجته الصغيرة فيتنفس الصعداء .

كان مير أميرا” على منزله و كل محتوياته و أثاثه ،
و مراقبا” لشارعه عن كثب . بفرحة لا حدود لها ….
و ابتهاج لا يضاهيه أمر ..

جار عليه الزمن كما علينا جميعا” ، فغدرت بأحلامه العذراء الحرب المجنونة كما غدرتنا ، و عبثت برقة آماله فتلاشت كما تلاشت آمالنا .

فاضطر مير ( الأمير ) بتجهيز حقيبة سفره متواريا” فيها أوراق مدونة على صفحاتها حكايات تروي قصصا” و ألف رواية .

عابرا” عباب البحار على قوارب الغرق اللعين ما وراء الشطآن .
فاستقر به المطاف في بلاد بعيدة و التحق بوالديه جسدا” ، و فيما روحه متجذرة بأرض فناء منزله الدمشقي .

هناك لم تألف نفسه ضمان المستقبل ، و لا تأمين معاشها ، أو تقدير الكرامة ، و لا صون حقوق الإنسان ….
بعيدا” عن سطوة الدكتاتورية ، و عنجهية الاستبداد ،
كما ثقافة منها رائحة الجهل تفوح و تخلف الأعراف ….
هناك خانته الغربة ، فأنكر واقعه ، و فقد ذاته حينما داهمه صداع الحنين الممزوج بالألم ، و موجات الذكريات اجتاحت كيانه ، و عاطفة جياشة سمت به وفاء” لألعابه ….
فاصطبغ بذكراها التي تتدفق بالدماء في شرايينه .
و جدران المنزل و سقوفه تنعش حيأته ….
فتدفعه إلى لذيذ استرجاعها ، و عذوبة ملازمة كل ما ظل محفورا” في ذاكرته و مطبوعا” فيها ،

يتصل مير بجده كل ليلة طالبا” صور ألعابه كلها ،
و دراجته الصغيرة بدواليبها و مقبضيها ،
و جدران المنزل بكل تفاصيلها ، كما أثاث البيت بكل جزئياتها ، و شارعه منهل ذكرياته …..

فيفتح ذراعيه بصغرهما قائلا” : ( مشتاق لمنزلي و محتوياته بملء حجم ما بين ذراعيه )
و لشقيقته آلاء يبوح : ( مشتاق لكل ما تركه هناك بحجم هذا البيت ) بيته في الغربة .

نعم مشاعره الجياشة تتزاحم في عباراتها صور الحزن و الألم الذي لم يخلو من الأمل في العودة .
فتصدر من عمق الإحساس ، و مصداقية المشاعر ،
و من معاناته تفيض هفوة للسكن في جوار جديه .
مقيما” حيث آلفت روحه …
فليس لجدران منزل الغربة لديه أي اعتبار .
شاغله الوحيد بيته الدمشقي و محتوياته . و استحواذ الميول لرؤية شارعه .

و صدق القائل : ( للأمكنة أرواح تعلق بالنفوس ) .
فروحه مسكونة بمنزله ، و نفسه معلقة بألعابه و شوارع دمشق التي ترعرع في حدائقها ….

فأصبح بين خيارين كلاهما مر ،
و بين رفضه للغربة ، و استحالة العودة للوطن تكمن الحكاية .
حكاية وطن استفحل اليأس بقاعه ، و وساوس الحيرة أحاطت به من كل الجهات .