جديد الموقع

الحرب على الإرهاب … وأيُ مشروع سياسي لسوريا !؟…… افتتاحية الوحـدة *

كان الأمر واضحاً منذ بداية الأزمة السورية أن روسيا لا ولن تتخلى عن نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط وعن دورها في سوريا والمنطقة، بغض النظر عن مدى تماهيها في الوقوف إلى جانب النظام السوري ودعمها له وتخوّفها المشروع من الإسلام السياسي المتشدد، حتى باتت لاعباً دولياً بارزاً في تلك الساحات، رغم زوال الثنائية القطبية العالمية مع انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الدولية، كما توضَّح جلياً أنه لايمكن لأمريكا أن تستفرد بقيادة العالم، بل هناك قوى عسكرية واقتصادية أخرى هائلة تنافسها في ساحات الصراع الدولي والاقليمي.
ومادام الإرهاب وقوى التكفير تُسيطر على مساحات واسعة من سوريا وترتكب الفظائع والجرائم بحق الشعب السوري دون تمييز وتُهدد الجوار والجميع على مرأى ومسمع شعوب ودول العالم، بديهي أن تبادر قوى كبرى في محاربتها، فأنشأت أمريكا تحالفاً دولياً لمحاربة داعش في العراق وسوريا، لكنها واجهت صعوبات عديدة، من فشل خطة تدريب المعارضة المسلحة المعتدلة، والموقف التركي المخالف والملتوي، والارتباك في التعامل مع جبهة النصرة وأشباهها بسبب تداخل مواقف القوى والدول المناهضة لنظام دمشق. ولكي تُستكمل اللوحة بادرت روسيا مؤخراً إلى تعزيز وجودها العسكري في سوريا وباشرت بقصف جوي مكثف على مواقع النصرة وداعش، وربما طالت مواقع فصائل مسلحة أخرى التي من المفترض أن تُعلن انفصالها عن النصرة والإرهاب واستعدادها لمشروع وطني سوري. هذا التحرك الروسي النشط لم يواجه برفض دولي سوى تصريحات مرتبكة، طالما أنه يستهدف الإرهاب، وحظي بموافقة البرلمان الروسي بناءً على طلبٍ من الحكومة السورية التي لازالت عضواً في الأمم المتحدة وتوقيعها هو المعتمد في الأروقة الدولية، أي جاء التدخل الروسي منسجماً مع القانون الدولي من حيث الشكل على الأقل. ولا يستبعد أن يكون هناك اتفاق أمريكي – روسي ضمني (تَفَهُّم) حول موضوع محاربة الإرهاب ورسم خارطة طريق لأزمة سوريا، خاصةً بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، وتولي الدبلوماسية الروسية لحوارات مكوكية مع النظام ومختلف أطياف المعارضة بالتوازي مع اتصالات المبعوث الدولي استيفان دي ميستورا.
في العموم مختلف أشكال التدخل الخارجي المبني على أجندات إقليمية ودولية أضرت بالوضع السوري منذ بدايات الأزمة، كما أن الرهان عليه من قبل النظام ومعارضات سياسية ومسلحة كان مُدمراً لسوريا،… لكننا الآن أمام وقائع جديدة لايمكن القفز فوقها، حيث نعاني من استمرار سيلان الدم والدمار والهجرة والتشرد ووقوع جرائم ضد الانسانية، وتبعات التدخل الخارجي راسخة على الأرض، وهناك آفة كبرى متمثلة بالإرهاب وقواه التكفيرية، … الخ. هذه الأمور، وإذا كنا نفكر بواقعية سياسية، تفرض علينا القبول بالخيارات الممكنة والمتاحة في حشد جميع الطاقات بهدف دحرّ الإرهاب ولوقف نزيف الدم والدمار أولاً والسير بخطواتٍ تفضي إلى قبول جميع الأطراف لحلٍّ سياسي وتسوية ما ثانياً، طالما الحل العسكري أمرٌ محال لأسباب كثيرة لسنا بصددها.
إن أفضل الخيارات لحل الأزمة السورية تتمثل في توافق دولي وإقليمي على خارطة طريق تحت مظلة الأمم المتحدة، بحيث تكف تلك الدول عن أجنداتها وأطماعها الخاصة، وترفع من شأن الجانب القيمي في سياساتها نوعاً ما، لأن الأزمة تلقي بنتائجها السلبية والكارثية على الجميع. وما على السوريين وقواهم الوطنية والديمقراطية إلا البحث عن سبل إعادة الدور للسياسة ولغة الحوار والتواصل وقبول الآخر، عسى أن نؤسس لحراك مدني على الأرض يأخذ زمام المبادرة والإدارة ويضع حداً للعنف والعنف المضاد.
وإن لم يترافق مع التدخل العسكري ضد الارهاب في سوريا، جهود مضنية وجدية لبلورة مشروع سياسي توافقي، ولم يتم إنارة الطريق أمام المجتمع السوري عامةً ولم تُمدّ جسور التواصل والثقة، ولم تتأهل نخبه السياسية والاجتماعية والثقافية الخيّرة وتأخذ دورها التاريخي في نبذ العنف والارهاب والكراهية، لن تنجح الحربُ على الإرهاب، وستطول أمد محنتنا المركبة.
* جريدة الوحـدة – العدد / 266 / – أيلول 2015 – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)