جديد الموقع

في ذكرى تأسيس أوّل تنظيم كرديٍّ …. جحيمُ حربٍ وهولُ انقسامٍ !… افتتاحية الوحـدة*

في الرابع عشرَ من حزيران الجاري، مرّتِ الذكرى الثامنةُ والخمسون لتأسيسِ أوَّل تنظيمٍ سياسي كردي في سوريا على يد نخبةٍ من المثقفين والمتنورين الكرد، الذين حملوا راية النضالِ دفاعاً عن الوجود القومي الكردي والحقِّ في حياةٍ حرة كريمة. أولئك الذين سعوا جاهدين لرفع الظلم الذي لحقَ بالكرد بفعل تنامي الفكر العروبي المتطرف على يَدِ رُوّاده الذين تنكّروا لوجود وحقوق شعبٍ مسالمٍ يعيش على أرضه، تمَّ إلحاقه بالدولة السورية الناشئة بعيد الحرب العالمية الأولى إثرَ ترسيم الحدود الدولية بموجب اتفاقية سايكس- بيكو سيئة الصيت، دون إرادة شعوبها، ثم مارستِ السلطاتُ العروبية المشبعةُ بنزعة الاستعلاء والتحامل سياساتِ الإقصاء والتمييز العنصري والتهميش والتذويب بحق الكرد وطمسِ هويتهم ومحوِ دورهم المشهود له في بناء الدولة السورية.
مرةً أخرى، تمرُّ هذه الذكرى، ولا تزالُ سوريا وطناً وشعباً، تعيشُ جحيمَ حربٍ عبثية مدمّرة، يتحمّلُ نظامُ البعث مسؤوليتَها الأولى، تقودُها وتغذّي أُوارَها اليوم مصالح دولية واقليمية. هذه الحربُ التي راحَ ضحيتُها حتى الآن ما يقاربُ الـ 300 ألف مواطن وأعدادٌ كبيرة من الجرحى والمُعاقينَ، وشُرِّدَ ما يربو عن 12.5 مليون مواطن سوري عن مسكنه ودياره داخل البلاد وخارجها بحثاً عن الأمان، ناهيك عن الدمارِ الكبير الذي لحقَ باقتصاد البلاد وبنيتها التحتية، ناهيك عن تفشي الكثير من الأمراض النفسية والاجتماعية الناجمة عن هذه المأساة التي لا تزالُ تَكوي السوريينَ بنيرانها الملتهبة. والتي اشتدّتْ وتوسعتْ مساحتُها خلال السنتين الأخيرتين بسبب تعثر المجتمع الدوليِّ في إيجاد حل سياسي لها.
جديرٌ بالذِّكر أنَّ تأخير هذا الحلّ قد ساهمَ في تعقيد القضية وزيادة تشابكاتها إلى حدٍّ بعيد، فدخلتْ قوى جديدةٌ كتنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين وغيرهما على مسار الحرب الدائرة منذ ما يزيد عن الأربعة أعوام، لا علاقة لها بالثورة السورية السلمية وأهدافها، لتزيدَ الطينَ بلةً والأوضاعَ تعقيداً. وكما أكّدَ مشروعُ رؤيتنا لتلاقي أطياف المعارضة الوطنية و توحيد الصف الكردي في سوريا، فإن الحلَّ السياسيَّ لهذه المأساة يبقى السبيلُ الأوحدُ للخروج منها عبرَ مؤتمرٍ دوليٍّ برعاية الأمم المتحدة على قاعدة الالتزام بوثائق ومقررات مؤتمر جنيف1 التي تقضي بتشكيلِ هيئة حكمٍ انتقاليةٍ بكاملِ الصلاحية، وأن يسبقَه عقدُ مؤتمرٍ عامٍ للمعارضة الوطنية تتفقُ على خارطة طريقٍ للخلاص من الإرهاب، وتحددُ ملامحَ سوريا الغد التي ينشدُها السوريون بكلِّ أطيافهم ومشاربهم، وتصونُ كرامتهم وحرياتهم وحقوقهم على قدم المساواة.
في الخامس عشرَ من الشهر الجاري، تمكّنتْ وحداتُ حماية الشعب وقواتُ غرفة بركان الفرات إلى جانب كتائبَ أخرى من الجيش الحرّ، وبتغطيةٍ جوية من قواتِ التحالف الدوليّ من تحرير مدينة كري سبي (تل أبيض)، بعد تحريرها لمناطقَ هامة في ريف سري كانيه (رأس العين)، وصلتْ حتى جبل عبدالعزيز(كزوان)، من رجس تنظيم داعش الإرهابي، وبسطَتْ سيطرتها على المعبر الحدودي الاستراتيجي مع تركيا، إثرَ إلْحاقِ الهزيمة بداعش الذي تركَ جثثَ قتلاه في ساحات القتال، مما أثار حفيظة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي اتهمَ التحالف الدولي والقوات الكردية التي وصفَها بالإرهابية بممارسة (سياسة التطهير العرقي بحق العرب والتركمان) والإقدام على طردِهم من أرضهم وزرع الكرد بدلاً عنهم(!)، وكذلك للأسف، فقد تناغم أصحاب بعض الأقلام من الوسط العروبي مع خطاب أردوغان، لتنفثَ سمومها عبر وسائل الإعلام مكررةً اسطوانتها المشروخة التي تزعم بأنّ الكرد يقومون بسياسة تطهير عرقي بحق العرب والتركمان في تل أبيض، ويقومون بتهجيرهم وحرق بيوتهم!. وذلك بغية تأليب الرأي العام العربي والدولي ضد الكرد… إلا أنّ بعض الأخوة من قادة التنظيمات التركمانية والناشطين العرب ومثقفيهم من أصحاب الضمير الحيِّ الموجودين بالقرب من مواقع العمليات، وكذلك المرصدُ السوري لحقوق الإنسان المعروف بمهنيته قد فنَّدوا هذه المزاعم والافتراءاتِ التي يُرادُ منها خلقُ فتنةٍ عنصرية بين الكرد والعرب والتركمان تؤدي إلى خلق مزيد من حالة الفوضى والاضطراب تفضي لحربٍ أهلية قد تشفي غليلَ أسيادَهم في أنقره، وغيرهم ممَّن لا يريدونَ الخيرَ للكرد وللشعب السوري بعموم أطيافه!.
إنَّ تحريرَ كري سبي (تل أبيض) من سيطرة التنظيم الإرهابي يعدُّ انتصاراً للكُـرد وعموم السوريين، وكان يجبُ أن يحظى هذا الإنجازُ بدعمِ ومساندةِ كلِّ الثوار والغيارى في سوريا، وليسَ مثل ما جاء في بيان صادر عن بعض الكتائب العسكرية التي تموّلُها وتحركُها جهاتٌ اقليمية، تتهمُ فيه قواتِ حماية الشعب بنعوتِ الانفصال وما شابه، وتتوعَّدُ بالثأر والانتقام، بالترافق مع تصريحاتٍ شائنة من بعض أطراف المعارضة السياسية التي أقلُّ ما يُمكنُ أن يُقالَ فيها بأنها بعيدةٌ عن المسؤولية، وتهدفُ إلى إثارة الكراهية والتوتراتِ.
إلا أن التنظيمَ الإرهابيَّ المهزومَ بالتعاون والتنسيق مع أوساط تركية تكنّ العداءَ الشديد للكُـرد وقضيتهم القومية الديمقراطية، عادَ إلى مُكره وطبعه الغادر، حيث تسللتْ مجموعةٌ مسلحة من قطعانه المتنكرة بلباس الجيش الحرّ فجر يوم 25 حزيران إلى مدينة كوباني المحررة بالقرب من المعبر الحدودي بين سوريا وتركيا بعد تفجيرها لسياراتٍ مفخخة، وبدأت بإطلاق النار على المدنيين في الشوارع بصورة عشوائية واقتحمت منازل المواطنين لتخلِّفَ الرعب والموت، كما ارتكبتْ مجزرةً مروّعة في قرية (برخ بوطان)، أوْدتْ الحملة الغادرة تلك بحياة المئات من المواطنين العزّل، ليضيفَ التنظيمُ الإرهابي بذلك جريمة أخرى إلى سجلّهِ المتوحش الدموي. وقد ترافقت هذه الجريمة بشن التنظيم لهجوم مباغتٍ على مدينة الحسكة، حيث دخلتْ قطعانه حيَّ النشوة الغربي لتمارس فيه إجرامَها، مما دفعَ بالكثير من العائلات إلى النزوح صوبَ مدينتي قامشلي وعامودا والدرباسية هرباً من العمليات العسكرية وتحاشياً من القصف العشوائي.
بعد هَوْل الفاجعة ومرارتها وما تحيط بشعبنا من مخاطرَ جديةٍ تهدّدُ وجودَه وحياة أبنائه، وبغية تضييق فجوة الخلاف بين أطياف الحركة الكردية التي يتسللُّ منها أعداءُ الكُـرد، وللبدء بترتيب البيت الداخلي، فإننا ندعو الأخوة في المجلس الوطني الكردي وحركة المجتمع الديمقراطي وكلّ الغيورين على مصلحة شعبنا، وأشقاءنا في الحركة الكردستانية، البحثَ الجادَّ والمسؤولَ عن مخرجٍ لأزمة العلاقة الكردية – الكردية التي وصلت حدَّ القطيعة وتعيشُ أجواء مهاترات تنعشُ قلوبَ من يُضمرون الشرَّ لشعبنا، وتشغلُها عن أداء مهامها وواجباتها الأساسية، وتستثمرها قوى الظلام والتكفير لأهدافها الإجرامية، وذلك عبر إطلاق حوار أخوي وبناء على قاعدة الاقتناع بضرورة العمل المشترك، وصولاً إلى تفعيل المرجعية السياسية الكردية أو بناء ممثلية كردية دون إقصاءٍ وتضمُّ مختلف الأحزاب والفعاليات المجتمعية، لتمارس عملها بشكل مؤسساتي، وترسمَ السياسات الكردية، وتنسجَ العلاقات النضالية مع المكونات والأطراف التي تجمعنا بها قضية مشتركة، بما يخدم مصلحة شعبنا الكردي وسوريا المستقبل، وكي نتمكّنَ معاً الوقوفَ صفاً واحداً في مواجهة وحش الإرهاب.
* جريدة الوحـدة – العدد /263 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)