جديد الموقع

كـوباني … ما بعد التحرير

كـوباني … ما بعد التحرير

زاوية نقاط على حروف *

قبل أن يرحل كانون الثاني غادر آخر داعشي مدينة ” كوباني”, غادرها متقهقراً ، منكسراً ، تطارده أسود ( القلعة ) واللبوات, من بيتٍ الى آخر ، ومن قريةٍ الى أخرى, لتتحول أسطورة ” داعش ” إلى وهمٍ وسراب أمام إرادة المقاومة في شوارع المدينة.

في ” كوباني” تقابلت وجهاً لوجه ، إرادة الحرية وحب الحياة من طرف ، وعقيدة التكفيريين القادمين للموت لأجل نعيمٍ موعود من طرف آخر , ففيها كُتِبَ التاريخ من جديد ، وما بعد تحريرها سيختلف حكماً عما قبله , حيث سجل الكرد ملحمة في البطولة والفداء , سيروي فصولها للعالم كل شاهدة في مقابر الشهداء ، وكل حجر في المدينة المنكوبة ، وكل شبر من ترابها.

في ” كوباني ” توحدت بنادق المدافعين الكرد من ” الگريلا ” و” البشمركة ” و ” وحدات حماية الشعب ” , واختلطت دماؤهم من الأجزاء الأربعة, وفيها سجلت المرأة الكردية حضورها اللامع كمقاتلة قوية تتصدى لمهمة الدفاع عن كيانها المنفصل عن الرجل, في الوقت الذي تلتحف المرأة عند باقي الشعوب الجارة العباءة وتُعتبر تابعة للرجل, وفيها وقفت القوى العظمى والتحالف المناهض للإرهاب إلى جانب الكرد, وفيها سقط أقل عدد من الضحايا المدنيين رغم هول الدمار وفظائع داعش والحرب التي استمرت أربعة أشهر ونيف ….

” كوباني ” بعد التحرير بحاجة إلى التطهير والتعمير ، وإلى النهوض من بين الأنقاض والركام وبقايا الجثث والأشلاء, بحاجة إلى إعادة التأهيل وتأمين الخدمات وإصلاح البنى التحتية ، لكي تستقبل أبناءها العائدين ، المشردين في مخيمات اللجوء والشتات , بحاجة إلى تضافر جهود الكُرد السوريين قبل جهود الشركاء في الوطن ، وإلى تضافر جهود الأخوة والأشقاء قبل دول الجوار ، وإلى مناشدة المجتمع الدولي والمنظمات والهيئات الدولية ودعاة السلام والحرية عبر العالم بصوتٍ جماعي واحد دون نشاذ.

هل ثمة برهان أقوى من الاستبسال والفداء والاستشهاد كالذي قدَّمه أبناؤنا وبناتنا من قوات وحدات حماية الشعب ( YPG و YPJ ) في “كوباني” ، لكي يعترف المنظرون السلبيون والمشككون بفوات أوان خطاباتهم ؟ ، هل لا زالت ثمة حجج ومبررات للتراشق والتصارع البيني وللفرقة وشق الصفوف؟ ، هل سنعيد الكرّة ونرسم الخطوط والحدود والخنادق على قبر الشهيد ؟ ، هل ستتحول كوباني إلى محطة ومنعطف تقف فيها القيادات السياسية للأحزاب الكردية أمام المرآة وتُراجع مواقفها, ويكف على إثرها الكثيرون عن اللهاث خلف الأنا والمناصب والتحزبات ويضعون نهاية لحروبهم الباردة في زمن الحروب الساخنة لداعش وأخواتها على الكرد وعلى كردستان من “رانيا ” و”خانقين” إلى ” كوباني” و”عفرين” ؟ ، هل ستستثمر جهة كردية بعينها المكاسب والانتصارات وتسجلها باسمها دون الآخرين ، ليتحول النصر على “داعش” الى هزيمة أمام الذات ؟ ، هل سيساهم انتصار ” كوباني” في إقلاع المرجعية الكردية المرتبكة ، وفي تنفيذ باقي بنود اتفاقية “دهوك” ؟ ، لتشكيل فريق متكامل متعاضد ينهض بمسؤوليته التاريخية تجاه شعبنا الكردي الذي عانى عبر تاريخه من الفرقة والشقاق والذي لم يفقد الأمل يوماً بالحرية والنصر … أسئلة تطرح نفسها اليوم ، لكن الأيام القادمة هي التي ستفصح عن أجوبتها .

النهوض بكوباني وتخليصها من آثار الحرب والدمار وإعادة مقومات الحياة اليومية إليها بغية عودة أبنائها ، يبقى هو الامتحان العملي اليوم أمام المرجعية السياسية وأمام الكرد أجمع ، لنيل استحقاق النصر أمام العالم المتحضر بجدارة ، وبالتالي استمتاع الكرد بطعم ومذاق الحرية.

* جريدة الوحـدة – العدد / 258 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي )

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*