جديد الموقع

سـوريا الجـريـحة كـوبانـي …. الـدرس القـاسـي

افتتاحية الوحـدة *

كـوباني ( عين العرب ) منطقة كردية في أقصى شمال سوريا تابعة لمحافظة حلب ، تقع في سهل سروج من كردستان التاريخية والمقسمة بين تركيا و سوريا بالحدود الدولية ، ويمرّ بقربها خط قطار الشرق منذ قرنٍ من الزمن ، ويحدُّها غرباً نهر الفرات ، وهي ذات طبيعة اجتماعية عشائرية شهدت تحولاً وتقدماً بارزاً في العقود الثلاثة الأخيرة ، وجُلُّ أبنائها يهتمون بالسياسة والعلم والمعرفة ، ولهم حضورهم في المشهد السوري . وكوباني محاطة بمناطق عربية تُشكل بثقافتها إلى حدٍّ ما حاضنة اجتماعية لتنظيم داعش الذي ينطلق منها في هجماته على ريف كوباني ومدينتها .

شاركت كوباني في الثورة السورية السلمية منذ شهورها الأولى ، وهي من أولى المناطق الشمالية التي خرج النظام منها مكرَهاً ، وتتالت عليها الهجمات العسكرية مثل سري كانيه وعفرين وتل عران وتل حاصل وغيرها، فوقف في وجهها أبناء الكُرد عموماً إلى جانب قوات وحدات حماية الشعب YPG ، إلى أن تلقت كوباني هجمات شرسة أواسط الشهر الجاري من قوات “داعش” التي أصبحت تمتلك إمكانات عسكرية ومادية وبشرية هائلة بعد سيطرتها على مناطق واسعة من العراق وسوريا وإعلانها الخلافة الاسلامية في دولتها (العتيدة) ، إمكانات تفوق تلك التي تمتلكها القوات الكردية التي اضطرت للانسحاب إلى المدينة وما حولها ، مما أدى إلى نزوح جماعي للسكان صوب الأراضي التركية في صورة تراجيدية مُحزنة ، خوفاً من بطش داعش وأفعالها الإجرامية . وهذا العدوان الجديد كان القشة التي قصمت ظهرَ البعير كما يقال، وجعلت التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يسارع إلى قصف مواقع داعش في سوريا .

إن تنظيم ” داعش ” الذي استفاد من الوضع العراقي المأزوم ، نمى وتوسع خلال فترة قصيرة نسبياً ورُفِدَ بآلاف العناصر من الخارج ، إثر استفحال الأزمة السورية وتمدُّد الإسلام السياسي والعسكري المتشدد ميدانياً على حساب الحراك الديمقراطي الثوري والجيش السوري الحرّ الذي فشل في حماية مصالح الشعب وترسيخ دعائم الثورة وصون قيمها ، وكذلك استفاد التنظيم من دعم أو غض نظر وتسهيلات النظام السوري وجهات إقليمية ودولية له، في ظل عدم جدية المجتمع الدولي لإيجاد حلٍّ سياسي للأزمة السورية نتيجة استقطابات ومصالح إقليمية ودولية ، إلى أن وقع الفأس في الرأس كما يقال في المثل الشعبي ، فاستفاق العالم على تَكوّن جماعةٍ إرهابية كبيرة فرضت وقائع جديدة على الميدان، يصعب ويطول تغييرها ، وارتكبت فظائع دفعت وستدفع البشرية جمعاء وشعوب المنطقة على وجه الخصوص ثمنها ، وباتت تهدد الأمن والسلم العالميين .

بعد دمار هائل وواقع اجتماعي مزري شهدته سوريا نتيجة ممارساتٍ وحشية لنظام أمني استبدادي وأشكال عنفٍ وعنفٍ مضاد تُمارس هنا وهناك – التي رفضناها مراراً وتكراراً – ، يواجه السوريين الآن خطر إرهابٍ فكري وعنفي متوحش لا مثيل له في عصرنا الحالي الموسوم بالرقي والتطور العلمي والتكنولوجي وعلو شأن مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان .

وقد أصدر مجلس الأمن الدولي مؤخراً قراراتٍ ضرورية لمواجهة حالة طارئة ، لكنها ليست كافية ، بل ينبغي على القوى الدولية الكبرى أولاً أن تتخلى عن سياسات المصالح والتمحور والاستغلال ، وتتعاون مع المجتمع الدولي وتقوده للسعي في إيجاد حلولٍ مناسبة للنزاعات بين الدول والجماعات البشرية ولمشاكل الفقر والمجاعة والبيئة والمناخ ، وكذلك مساعدة الشعوب في التخلص من نُظم الاستبداد والطغيان وأشكال التطرف والعنف لتنال حقوقها الطبيعية ، مع إيلاء الاهتمام الكافي أينما كان ببناء الانسان السوّي المُحب لغيره ومنحه حريته وكرامته وحقوقه المشروعة ، وأن يتم دعم برامج التنمية والتطور ونشر الفكر الإنساني والديمقراطي لدى الدول الفقيرة والشعوب المضطهدة بدلاً من برامج التسلّح وصفقات بيع الأسلحة وتأجيج النزاعات والسعي لاتباع الجماعات وجرّها لأجندات خاصة.

بلدنا ، سوريا الجريحة ، تعيش في مأزقٍ عميق ، على العقلاء والمتنورين والمخلصين من أبنائها – أينما كانوا – الالتفات إلى بعضهم وتشبيك الأيادي معاً نحو التآلف والمشاركة في البحث عن سبل وضع حدٍ لكافة أشكال العنف أولاً ومنع تدهور البلاد نحو الهاوية ، عسى أن نرسم مستقبل شعبنا بأيدينا . وعلى أطراف المعارضة السورية – الوطنية الديمقراطية – أيضاً الابتعاد عن الأجندات الإقليمية والدولية الخاصة ومحاربة الفساد والتخلي عن ممارسات الإقصاء والتمييز والاستعلاء ، لتجمع قواها وتمارس دورها التاريخي المسؤول .

وإذا كان عدوان ” داعش ” على شنكال ومعاناة أهاليها علامةً فارقة ودرساً موجعاً لإقليم كردستان العراق أولاً وللعراق والمجتمع الدولي ثانياً ، من حيث حجم الجرائم المرتكبة وتبعاتها المأساوية ، وتهديدات داعش اليومية ، ومدى ضعف قوات الحماية والدفاع عن تلك المنطقة . فإن العدوان على كوباني شكّل درساً قاسياً للكُرد في سوريا أولاً ودق للمجتمع الدولي ناقوس الخطر الأخير من انتشار داعش وتمدّده . إذ كان من الممكن الدفاع عن كوباني وتدبير أمور الناس في محنتهم والتخفيف من نتائجها بشكل أفضل لو كان هناك إدارة مجتمعية مشتركة أقوى وبإمكانات وتحضيرات واحتياطات جيدة ودعم متواصل ومتوازن من الأطراف الكردستانية وتنسيق وتعاون مع المعارضة السورية وبتأييد دولي ، في ظل وحـدة متينة بين الأحزاب والأطر الكردية في سوريا .

إذاً ، علينا نحن الكُرد في سوريا ، الاتعاظ من التجارب المؤلمة التي أصابتنا على الأقل في الأعوام الثلاثة الأخيرة ، والعودة إلى الذات ومراجعتها ومعالجة الأخطاء ومواضع الخلل وتحسين أشكال التعاون والتنسيق والتشارك وتعميق وتطوير وحـدة الصف الكردي ، إن منطق الاستفراد وعدم قبول الآخر أو الانطواء والدوران في حلقةٍ مفرغة والتهرب من المسؤوليات يضرّ بقضية شعبنا ضرراً بالغاَ ، لأن العامل الذاتي يبقى الأساس في أي تحولٍّ اجتماعي سياسي .

لن تذهب تضحيات أهلنا في كوباني سدىً ، فهي تضاف إلى نضالات شعبنا الكردي في الدفاع عن وجوده وحقوقه القومية الديمقراطية المشروعة ، ولابد لـ كـوبـاني إلا أن تنتصر .

*  جريدة الوحـدة – العدد / 254 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي ) .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*