جديد الموقع

دحرُ تنظيم داعش الإرهابي … مرهونٌ بحل الأزمة السورية

افتتاحية الوحـدة *

مارستْ القوى العظمى المتحكّمة بالقرار ودفة السياسة الدوليتين على مدى أكثر من ثلاث سنواتٍ ونصف من الحرب المدمّرة ومناظر القتل اليومية على عموم خارطة سوريا، لعبةَ المصالح وشدّ الحبال فيما بينها دونَ أي شعور بمعاناة الإنسان السوري الذي تعرّضَ ولا يزال إلى أفظع أهوال الحروب وويلاتها. فبإيحاءاتٍ من بعض أطرافها أقدمتْ بعض دول الخليج على تقديم المال بسخاءٍ للكثير من الكتائب الإسلامية المتطرفة ودفعها للحرب في سوريا تحت يافطات مهترئة بالية من قبيل (محاربة النصيرية) وغيرها عبر دغدغة مشاعر وعواطف البسطاء من الناس المستائين أصلاً من جور وظلم حكام بلدانهم، ويجدون في قيم وعقائدَ وهمية زيّنتْها لهم منظماتٌ تختبئ بعباءة الإسلام وترسم أحلاماً وردية، خَلاصاً لهم من الجور الذي يلحق بهم وبذويهم كل يوم، فيسلكون دروب التطرف ليقعوا في شِرك جهاتٍ اقليمية ودولية تجهدُ لاستغلالهم بغية تحقيق مصالحها. فتمّ فتحُ أبواب التطوّع للجهاد في سوريا تحت راياتٍ وأهدافٍ ليس للشعب السوري التواق للحرية فيها من ناقة ولا جمل، في الوقت الذي كانت تقوم فيه كل من روسيا وإيران بتقديم كلّ أشكال الدعم والمساندة مادياً وعسكرياً وسياسياً للنظام السوري الدموي للبقاء في السلطة، مما أدّى إلى استمرار دوامة العنف التي أوْدتْ وفقاً للأرقام الموثقة الصادرة عن الأمم المتحدة حتى نهاية شهر نيسان 2014 إلى إزهاق أرواح أكثر من 191 ألف مواطن سوري، عدا عن تدميرٍ مروّع للبلاد لم يشهدْ له التاريخ مثيلاً، وتهجير ما يقارب ثمانية ملايين مواطن داخل البلاد وخارجها وتعقيدٍ للحالة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للسوريين.

لم تفلحِ الجهود المبذولة من قبل الأمم المتحدة والجامعة العربية التي جاءتْ بضغط من الرأي العام في وقف هذه الحرب أو التخفيف من أهوالها، وذلك بسبب عدم توافق تلك القوى على توزيع مناطق النفوذ ومنابع النفط والغاز والمواقع الاستراتيجية في الشرق الأوسط وإفريقيا وغيرهما، مما أدى لفشل جولتي مؤتمر جنيف بسبب تعنت النظام وعدم وفائه بالالتزام بوثائق جنيف1 وباستقواءٍ من حلفائه الدوليين والإقليميين. فاستقطبت الساحة السورية الملتهبة المزيدَ من الجهاديين الذين وصلوا البلاد بتسهيلاتٍ مكشوفة من جانب دول الجوار، فانتقلت شرارة الأزمة من سوريا إلى العراق وتمَّ احتلال الموصل في التاسع من شهر حزيران الماضي من جانب تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش )، وهي مرشحة للمزيد من التوسع إلى دول أخرى، وقد تمتدّ ألسنة نيرانها إلى العديد من الدول الإقليمية وتهدد السلم والأمن الدوليين ما لم يتم حل القضية السورية من جذورها برعاية دولية تضمن مصالح الشعب السوري على أسس ومقررات مؤتمر جنيف1.

بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل، بدءَ مؤخراً بالتحرك باتجاه اقليم كردستان العراق، وبتاريخ الأحد 3/08/2014، اجتاحت جحافل مسلحيه المدججين بأحدث الأسلحة الأمريكية – التي استولى عليها من مستودعات جيش المالكي – قضاءَ شنكال ذي الغالبية الكردية من أتباع الديانة الإيزدية العريقة التي تمتد لأكثر من 4000 عام في عمق التاريخ البشري، وطالب التنظيم سكانه بترك ديانتهم الأصلية واعتناق الإسلام عنوة. فقام التنظيم بقتل المئات منهم ذبحاً بالسيف وسبي نسائهم وبيعهن في أسواق خلافتهم المشؤومة، مما تسبب في نشر الذعر بينهم ففرّوا باتجاه اقليم كردستان في ظروف مأساوية، سقط العشرات من الشيوخ والأطفال موتى بسبب الجوع والعطش وشدة الحرارة. وبسبب امتداد التنظيم واقترابه من هولير عاصمة إقليم كردستان، ومناشدة رئيسه المجتمعَ الدولي لمساعدة الكرد من خلال تزويد قواتِ البيشمركة بالسلاح الحديث لمواجهة التنظيم الإرهابي، تجاوبت الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي والعديد من دول العالم ومنظمة الأمم المتحدة مع النداء على وقع معاناة المهجرين والمعذّبين والمحاصرين في شنكال، ولأسبابٍ أخرى تتعلق بمصالح الدول الغربية التي تعمل شركاتها في الإقليم إضافة إلى أنّ إقليم كردستان العراق هو النموذج في منطقة الشرق الأوسط للتعايش بين الديانات والحضارات والأقوام في ظل وجود قانون يحمي الحريات الشخصية والدينية، ووجود أعداد هائلة من النازحين والمهجرين من سوريا ومحافظات العراق الأخرى يقارب المليون والنصف إنسان، اتخذَ الرئيس الأمريكي أمراً بتوجيه ضرباتٍ جوية محدودة لتنظيم داعش وتقديم السلاح لقوات البيشمركة مع عدم التدخل البري المباشر، وكان موقف كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا متميزاً داعماً، وكذلك كان موقف الاتحاد الأوربي وهيئة الأمم المتحدة مسانداً للكرد في دفاعهم عن النفس ضد تنظيم داعش الإرهابي، في حين لم يصدر ومع شديد الأسف من غالبية الدول العربية ولا من منظمة المؤتمر الإسلامي أية وقفة تضامنية مع الكرد في محنتهم. أما إيران التي تشهد علاقاتها مع أمريكا تحسناً على ضوء التوافق على حل سلمي- سياسي لأزمة برنامجه النووي، إضافة لارتباطها بعلاقات تجارية مع إقليم كردستان فقد اتخذت موقفاً إيجابياً مع الإقليم ومع العملية السياسية في العراق فسحبت دعمها من نوري المالكي ووافقت على دعم  ترشيح السيد حيدر العبادي لتشكيل حكومة عراقية جامعة تبدأ بترتيب البيت العراقي أولاً، وتطلب من المجتمع الدولي مساعدته في طرد تنظيم داعش الإرهابي من كامل أرض العراق. أما تركيا التي تربطها علاقات اقتصادية هامة واشتراكها بحدود برية طويلة مع الإقليم حيث ليس من مصلحتها وقوف داعش وأخواتها بالقرب من هذه الحدود، ونظراً لارتباطها بعلاقات متميزة مع أمريكا، فقد شجعتها على مساعدة الإقليم في دفاعه المشروع عن وجوده في وجه أعتى التنظيمات الدولية إرهاباً.

كل هذه العوامل إلى جانب وحدة الموقف الكردي وتلاحم الشعب الكردستاني الذي وقف صفاً واحداً في محنته، وتصميمه على مواجهة داعش، ووصول السلاح النوعي لقوات البيشمركة الكردية، إضافة إلى التضامن السياسي الكردستاني ومشاركة عسكرية من وحدات حماية الشعب مع البيشمركة في زمار، ومشاركة عسكرية رمزية من الحزب الديمقراطي الكردستاني-ايران قد ساعدَ في اندحار التنظيم الإرهابي في مخمور وسد الموصل والكثير من القرى المحيطة بها تاركاً خلفه مئات الجثث بعد معاركَ حاسمة أظهرت فيها القوات الكردية استبسالاً وشجاعة واعية، ولا تزال عملية مطاردة فلول داعش من أرض كردستان ومحيطها تسيرُ وفق برنامج عسكري منظم مدعوم من المجتمع الدولي .

يبدو أن القوى العظمى باتت تدرك مدى خطورة الوضع الناشئ من خروج تنظيم داعش الإرهابي عن عقاله، وهي تفكر اليومَ بوضع حدٍّ له، فوعدت الإدارة الأمريكية بملاحقة التنظيم وإخراجه من العراق فيما اذا تم تشكيل حكومة عراقية جامعة، وهي تدرس اليومَ إمكانية توجيه ضرباتٍ جوية إلى مقراته في عمق سوريا. فإذا ما تم ذلك، ومؤشرات تشكيل الحكومة العراقية تبدو واضحة، عندها ستتوجه فلوله إلى سوريا، ومن المتوقع أن يكثف التنظيمُ من هجماته على المناطق الكردية، تلك التي تتعايش فيها العديد من القوميات والإثنيات والأقليات الدينية والعرقية، انتقاماً وثأراً لهزيمته في إقليم كردستان العراق، مما يستدعي من المجتمع الدولي أن يضع هذا الأمر في الحسبان، ويقوم بحمايتها من بطش هذا التنظيم الدموي.  فمحاربة هذا التنظيم الذي يشكل بقاؤه خطراً على المجتمع الدولي يتطلب تضافر كل الجهود العالمية لإنهائه، وأن يسارعَ إلى إحياء مؤتمر جنيف لحل الأزمة السورية سياسياً، على أنْ تسبقه خطواتٌ جادة لتوحيد المعارضة السياسية السورية، لأن دحرَ تنظيم داعش الإرهابي مرهونٌ بحلِّ القضية السورية من جذورها.

في هذه الظروف الاستثنائية، ينبغي على المجلسين الكرديين الوطني الكردي وغرب كردستان العمل على تجاوز خلافاتهما والاستعداد معاً لمواجهة المرحلة المقبلة بروح مسؤولة، والدفع باتجاه تماسك المجتمع الكردي وتقوية بنيانه لتفويت الفرصة على المراهنين على الصراع الكردي الكردي الذي تحرّمه كل القوى الوطنية المخلصة، والبدء بتجريم كل من يعمل على بثّ السموم وسياسة الفرقة والانقسام بين الكرد وقواه السياسية من وسائل الإعلام أياً كان مصدرها وتحت أية ذريعة كانت، وعدم التفرد باستصدار القرارات الوطنية التي تهمُّ عمومَ شعبنا من جانب أي طرفٍ كان، والعمل على تغليب المصلحة العليا لشعبنا على سواها من المصالح، وكلُّ الجهود لحماية شعبنا من أطماع المتربصين به، والحاقدين على وجوده، ويداً بيد للدفاع عن كرامتنا القومية والتشبث بأرض آبائنا وأجدادنا.

* جريدة الوحـدة – العدد / 253 / – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي )

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*