جديد الموقع

التقرير السياسي

في أجواء التنافس والصراع بين القوى الدولية العظمى على مناطق النفوذ وبسط الهيمنة والاستحواذ على  أكبر قدر ممكن من المصالح التي باتت  تهدد وحدة وتماسك المنظمة الدولية (هيئة الامم المتحدة) تلك التي اهتزت مصداقيتها بوضوح في المأساة السورية لعدم قدرتها وعجزها عن وضع حدٍّ لإراقة الدم السوري على مدى ما يقارب الثلاث سنوات والنصف من الحرب الهمجية التي أزهقت أرواح ما يزيد عن المائتي ألف مواطن سوري ومثلهم من المفقودين ، وألاف المعتقلين وملايين المشردين، وانتشار أمراض وآفاتٍ فتاكة بين ما تبقّى من المجتمع السوري الممزّق، يواصل النظام الدموي السوري قصفَ حلب وريفها وجوبر في ريف دمشق وغيرها من المناطق والمدن السورية بالبراميل المتفجرة التي تترك الدمار والخراب وجثث الأطفال والنساء والشيوخ تحت الأنقاض في مناظر مروّعة تقشعرّ لها الأبدان!… إن لامبالاة المجتمع الدولي بالقضية السورية وعدم الجدية في حلها قد أسفر عن خلق بيئة خصبة لإيواء عشرات الألاف من الجهاديين التكفيريين الذين أرسلتهم جهاتٌ لها مصالح لا علاقة لها البتة بمصالح وأهداف الثورة السورية التي انطلقت في بداياتها سلمية تطالب بالحرية والتغيير وتسعى لبناء دولة ديمقراطية برلمانية تعددية  لامركزية حديثة، قد أسفرَ عن ولادة حالة من الفوضى وسيطرة الميليشيات والعصابات على مقاليد الأمور في الكثير من مناطق البلاد وتفرض على الشعب حكمَها المزاجي وعقائدها، واقتراب الحالة السورية من الدولة الفاشلة.

بسبب الدعم المالي الهائل الذي يتلقاه تنظيم داعش الإرهابي من بعض دول المنطقة وجهاتٍ إقليمية أخرى تسعى للظفر بمكان وحصة لها في الوليمة السورية وغض النظر من جانب الدول الكبرى، قام هذا التنظيم في التاسع من حزيران الماضي باقتحام سهل نينوى في العراق حيث احتل مدينة الموصل دون مقاومة من الجيش العراقي الذي  انسحب بصورة مريبة تاركاً خلفه أحدث الأسلحة الأمريكية ومئات الأطنان من الذخائر ليسيطر عليه التنظيم ويقوم بنقل قسم منها إلى الأراضي السورية  بالإضافة إلى ما استولتْ عليها في الآونة الأخيرة في محافظة الرقة، ليحارب بها كلَّ من يقف عائقاً أمام بناء الدولة الإسلامية التي تمتد على بقعة واسعة من الأراضي السورية والعراقية. وفي الثالث من شهر آب تحركت جحافل التنظيم لغزو قضاء شنكال وقراها ذا ت الغالبية الكردية من أتباع الديانة الإيزدية العريقة التي تعد من أعرق وأقدم الديانات التوحيدية في بلاد ما بين النهرين، ومارست القتل والتنكيل بحق أبناء هذه الطائفة مطالبة إياهم  بترك دينهم واعتناق الإسلام  وإلا فإن قطع الرؤوس تنتظرهم هم وأولادهم ونساؤهم!! وبالفعل، قام التنظيم الموغل في الإجرام والملطخة يديه بدماء أبناء الشعب السوري بقتل ألإيزديين ذبحاً ودفن البعض منهم أحياءً، واقتادَ نساءهم وبناتهم إلى جهاتٍ مجهولة كسبايا بصورة قلّ مثيلها حتى في حروب التتار والمغول وغيرهم. ففرّتْ مئات الألوف من قراها باتجاه المناطق الآمنة في كردستان تاركة أموالها وأملاكها لتنجو بأنفسها في ظروف قاسية من قيظ الصيف ولهيب حرارته، فسقط المئات من الشيوخ والأطفال على قارعة الطرق عطشاً وجوعاً وتعباً.  واستعد التنظيم لمداهمة هولير عاصمة إقليم كردستان العراق ليحكم قبضته على منابع النفط ويقوي أركان دولته ومن ثم توسيع حدودها.

ناشد السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق المجتمعَ الدوليَّ لمساعدة الكرد في محنتهم عبر تزويد قوات البيشمركة  بالسلاح لمواجهة تمدد التنظيم الإرهابي، فتجاوبت الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي ومنظمة الأمم المتحدة والعديد من دول العالم مع المناشدة والنداء الصادر عن رئاسة الإقليم وعبّرتْ عن تضامنها معها لأسبابٍ عديدة منها أن إقليم كردستان العراق هو النموذج الإيجابي الوحيد في منطقة الشرق الأوسط للتعايش بين الديانات والحضارات والأقوام، ولها شركاتٌ تعمل في الإقليم تدرّ الأرباح لخزينتها، وإن الإقليم بات ملاذاً لأكثر من 1.6 مليون نازح ولاجئ سوري وعراقي، فاتخذ الرئيس الأمريكي قراراً يبيح بموجبه توجيه ضرباتٍ جوية محددة إلى قوى التنظيم مع التأكيد بعدم التدخل البري في العراق، وذلك بغية شل قدرات التنظيم وضمان عدم اقتراب مسلحيه من عاصمة إقليم كردستان العراق. وكان موقف كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا واستراليا والتشيك متميزاً في مساندة الكرد وتسليح البيشمركة بالسلاح المتطور لدحر تنظيم داعش الإرهابي، في الوقت الذي لم يصدر عن الحكومات العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي واتحاد العلماء المسلمين العالمي وللأسف وقفة تضامنية إنسانية مع الكرد في محنتهم هذه..!. كما كان موقف كل من تركيا وإيران داعماً للكرد في مواجهة الإرهاب العالمي.

كل هذه الأسباب مجتمعة، إضافة إلى تلاحم الشعب الكردستاني الذي وقف صفاً واحداً في محنته وتصميمه على دحر الإرهاب، إضافة إلى وصول السلاح إلى القوات الكردية في وقت قصير نسبياً، وبسبب من التضامن الكردستاني ومشاركة من قوات وحدات حماية الشعب(YPG)و(HPG) في منطقة زمار ومخمور، وقوات رمزية من الحزب الديمقراطي الكردستاني إيران قد ساعد في دحر التنظيم في مخمور وسد الموصل والقرى المحيطة بها مخلفاً وراءه المئات من الجثث والأسلحة، حيث أظهرت القوات الكردية استبسالاً وشجاعة نادرة لأنها تدافع عن أرضها وكرامة شعبها في وجه غزاة طامعين بخيرات كردستان، ولا تزال تواصل تطهير مناطقها من براثن التنظيم المندحر.

من المتوقع ووفقاً لتصريحات أركان الإدارة الأمريكية بأنه حالما يتم تشكيل حكومة عراقية جامعة برئاسة السيد حيدر العبادي التي باتت قريبة التشكيل، سوف تعمل على إخراج داعش من كامل أرض العراق بقوة السلاح، عندها ستهرب فلول التنظيم إلى سوريا حيث عاصمة خلافتها المشؤومة في الرقة، ومن المتوقع أن تقوم بشن المزيد من الهجمات على المناطق الكردية في سوريا التي تزخر بأطياف متنوعة من القوميات والأديان والأعراق انتقاماً وثأراً لهزيمتها، حيث يجب على المجتمع الدولي وأصحاب القرار وضع هذا الأمر في الحسبان وضمان حماية المناطق الكردية في سوريا من بطش هذا التنظيم الإرهابي. وإننا لنعتقد بأن دحر تنظيم داعش الإرهابي مرهونٌ بحل القضية السورية سياسياً من جذورها عبر المبادرة إلى وحدة المعارضة السياسية وما تبقى من الجيش الحر، وعقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وكل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية تستند على مقررات مؤتمر جنيف1 في تشكيل حكومة انتقالية تتولى المرحلة الانتقالية تمهيداً لإرساء اسس الدولة الديمقراطية البرلمانية التعددية واعتماد التوافقية في قضايا القوميات والأقليات.

من جهة أخرى، وبعد فوز السيد رجب طيب أردوغان بمنصب رئاسة تركيا بموجب انتخابات مباشرة من الشعب التركي، وحسب تصريحاتٍ كان قد أدلى بها بخصوص حل القضية الكردية في تركيا سلمياً وأكد عليها بعد فوزه، والتصريحات الإيجابية من رئيس وزرائه الجديد أحمد داوود أوغلو حول تعرض الكرد في كردستان تركيا إلى ظلم ممنهج على يد السلطات السابقة لبلاده، تبدو فرصة حل القضية الكردية سلمياً وطرحها للنقاش والحوار المسؤول وشيكة، نأمل لها النجاح بما يضمن حقوق شعبنا الكردي القومية في كردستان الشمالية بالتفاهم مع الحكومة المركزية وتثبيت تلك الحقوق في دستور البلاد.

لا تزال المناطق الكردية في سوريا تشهد حالة من الحصار الخانق وهجمات متكررة على مناطقه من جانب تنظيم داعش الإرهابي في كل من كوباني وعفرين والجزيرة، ويستبسل شعبنا وقوات حماية الشعب في صد تلك الهجمات الغادرة التي تستهدف النيل من الوجود الكردي وصولاً إلى تهجيره القسري من أرضه، ويسقط العشرات منهم شهداءً في وجه قوى الشر والظلام. في مواجهة هذه التحديات، يقع على عاتق المجلسين الكرديين(الوطني الكردي والشعب لغرب كردستان) مهمة تجاوز حالة القطيعة والعداوة التي لا يستفيد منها سوى أعداء شعبنا، ويترتب عليهما وضع خلافاتهما الثانوية التي تصغر أمام قضية شعبنا العادلة جانباً.  كما أنه من الضروري أن نشيرَ هنا إلى أن المجلس الوطني الكردي الذي فقدَ الكثيرَ من فعاليته وقدرته على المبادرة والقيادة يحتاج إلى إعادة هيكلته والإسراع في عقد مؤتمره، لرفده بكوادر وطنية مستقلة يمكنها القيام بدور نشط في هذه الظروف العصيبة التي تستدعي الاستفادة من كل الطاقات، وكذلك فإن جملة القرارات التي أصدرها مسؤولوا الكانتونات التي أقامها حزب الاتحاد الديمقراطي(PYD) في المناطق الكردية كقانون ترخيص الأحزاب والتجنيد الإجباري ونفي الساسة الكرد المختلفين معهم بالرأي عنوة إلى خارج الوطن، هي بحاجة إلى إعادة نظر وينبغي إلغاؤها، وإن هذه القرارات من وجهة نظرنا لا تخدم مهامَ وحدة الصف الوطني الكردي التي نحن اليوم بأمس الحاجة إليها، بل أنها تسيء إليها إساءة بالغة. فلتتضافر كل الجهود الخيرة لوحدة الصف الوطني الكردي في   وجه المخاطر المحدقة بشعبنا وقضيته.

31/08/2014

اللجنة السياسية

                                                     لحزب الوحــــدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*