جديد الموقع

غزوة داعش وخيوط اللعبة الأمريكية

 غزوة داعش وخيوط اللعبة الأمريكية

د.آزاد أحمد علي

وصلت بهدوء وسرية رسالة بريطانية الى وزارة الخارجية الأمريكية، الرسالة كانت تتضمن صعوبة احتفاظ بريطانيا بهيمنتها ووصايتها على مناطق عديدة من العالم، ومواجهة المد الشيوعي فيها، وخاصة في تركيا واليونان. كانت تلك الرسالة دعوة بريطانية صريحة لأمريكا لملئ الفراغ الذي سيتشكل جراء انسحابها غير المعلن، وخوفا من ان يشغلها الاتحاد السوفيتي السابق. كانت الرسالة – الحدث المفصلي في شباط عام 1947، وعلى ما يبدو بدأت مع تلك الرسالة ( الدعوة) مرحلة جديدة من استجماع القوة والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لدرجة ان وزير خارجيتها يومئذ (جورج مارشال) وجه خطابا خاصا الى الأمركيين حفزهم لتحمل أعباء المسؤلية في حماية أمن وسلامة العالم. هذا ما أكده مايلز كوبلاند في كتابه:The Game of Nations(لعبة الأمم. بيروت 1970 تعريب: مروان خير)، كما أسهب: بان السياسة الأمريكية الجديدة اعتمدت مبدأ ترومان، اضافة الى مشروع مارشال. جوهر تلك السياسة كانت تهدف الهيمنة والتغلغل في مناطق واسعة من الشرق الأوسط، بمنهجية سلمية، سميت في الوثائق الدبلوماسية السرية: “التخطيط السياسي للصراع على مناطق النفوذ، في العالم عن طريق الحرب الباردة.”

ما هو مثير للانتباه بعد مرور أكثر من ستين سنة على الانطلاقة الدبلوماسية الأمريكية السرية، أن تلك الخطة قد بدأت من سورية:” كان المفروض ان يكون العراق اول اهدافنا، فحكومته بوليسية مكروهة، الا ان الفريق المكلف بالتنفيذ في العراق لم يستطع مباشرة ذلك دون علم البريطانيين وموافقتهم… كما اسقطنا من حسابنا التدخل في شوؤن لبنان والاردن ومصر لاعتبارات شتى، وبحساب البواقي فلم يبقى امامنا الا سورية.” ص66

استهدفت سورية كمفتاح لتغيير الشرق الأوسط. وبناء عليه  قررت امريكا تغيير الحكم المدني فيها برئاسة شكري القوتلي، واعدت ضابط كردي طموح ومغامر هو حسني الزعيم ليقوم باول انقلاب في سورية، وربما في العالم بعد الحرب العالمية الثانية. سعت امريكا لإتخاذ سورية المساحة الأولى لرقعة اللعب الأممية: “كان انقلاب حسني الزعيم في 30 مارس 1949 من اعدادنا وتخطيطنا.” ص 73

شكل انقلاب الجنرال الزعيم عمليا الخطوة السياسية الامريكية الأولى في المنطقة، وتم تقديمه ليكون لاعب أمريكا المعتمد. الا ان حسني الزعيم فشل في حكم سورية وتمرد على طاقم الدبلوماسية السرية، ولم يلتزم بتطبيق السياسة الأمريكية بحذافيرها. تم البحث عن رجل جديد لمتابعة المهمة. نفذ مركز اللعبة الأممية في وزارة الخارجية الأمريكية، مخططها المستند على قاعدة:“اذا لم تربح اللعبة يجب تغيير اللاعبين”.فدعمت انقلابا عسكريا في مصر، اطاحت الملك فارورق، واستلم تنظيم الضباط الأحرار الحكم، تحت عنوان ثورة يوليو 1952. كان اللاعب الأمريكي الجديد ضابطا طموحا من بيئة فقيرة هو جمال عبدالناصر. دعمت أمريكا ناصر في الخفاء، حتى أصبح قائدا للعالم العربي، وأحد ابرز زعماء العالم، ومؤسسي دول عدم الانحياز.

تصاعدت الفعالية السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط بعد عام 1947، لتعويض التراجع في السياسة الكولونيالية التقليدية البريطانية، ولوقف المد الشيوعي، ولتأمين المصالح النفطية الأمريكية، اضافة الى توفير بيئة مناسبة لولادة واستمرارية دولة اسرائيل، عن طريق انشاء نظم حكم جديدة، تخدم هذه الأهداف والمخططات عمليا، وتعادي أمريكا شعاراتيا. وكانت قاعدة اللعبة الأمريكية تختزل في عبارة: “امريكا تجيد صنع أعدائها”.

اعتمدت الادارات الأمريكية لاحقا على ما اسست له تلك المجموعة الدبلوماسية -الاستخباراتية في أعوام (1947 – 1958)، ولم تتحرر من أسر مخططاتها لاحقا. ان قراءة واستذكار بداية الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، ومعرفة بيئة انشاء ما يسمى بمركز اللعب العالمي، وكذلك مؤسسة (CIA) لاحقا يبدو ضروريا، لأن السياسات التي اعتمدتتثير تساؤلات حول جذور تاريخ الشرق الأوسط السياسي الحديث، وثقل (CIA) في الانقلابات والثورات، وحتى تشكل بعض الدول العربية في النصف الثاني من القرن العشرين. ان المحلل والمتابع يحتاج الى مزيد من المعلومات والحقائق حول تلك الخطط والنشاطات التي عرفت في وزارة الخارجية الأمريكية: “بدبلوماسية ماوراء الكواليس.”

ان القراءة الراهنة للأحداث السياسية توحي بتكرارها بصيغ متحاكية في كل من سورية ومصر. فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الانتفاضات العربية، وتتبع الموقف الأمريكي، يتبين حرص أمريكا منذ الأيام الأولى على عدم التدخل الظاهري والتروي، خاصة من قبل وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون. إلا  أن نشاطات السفير الأمريكي في دمشق روبرت فورد _ والتي لامجال لحصرها هنا _ كانت تدل على ان امريكيا ترغب في متابعة لعبتها السياسية في سورية، بل ان تجدد اسس اللعبة برمتها. جدير ذكره ان كوبلاند  كان قد اشار عام 1969 الى ان النجاح الأمريكي في سورية يحتاج الى رجل قوي ومتعطش للسلطة، تساعده نخبة حاكمة، لكي تستقر أوضاع البلد. وهذا ما تحقق عام 1970. السفير روبرت فورد فشل في دبلوماسيته، التي لم تكن تماما تجري وراء الكواليس، فاستقال. وعلى الرغم من ذلك مازالت الادارة الامريكية تحتفظ بخيوط اللعبة، وان لم تقرر بعد بقيادة اوباما – حتى اجتماعه الأخير مع وفد ائتلاف قوى المعارضة السورية – كيفية استعادة فرصتها الضائعة، أو اي لعبة ستشارك فيها. لكن ماهو مؤكد ان أمريكا عند انطلاقتها الأولى الى فضاء السياسة العالمية قد بدأت من سورية، واختارت طريق الانقلابات العسكرية  لتنفيذ مخطاطاتها، وان لم توفق فيها.

ثمة تساؤل يفرض نفسه اليوم في سياق استذكار هذه الأحداث التاريخية، فيما اذا ارسلت وزارة الخارجية الأمريكية ايضا رسالة سرية الى روسيا تفصح عن رغبة أمريكا في الانسحاب من المنطقة، او الشرق الأدنى على أقل تقدير، تدعو فيها روسيا _ كدعوة بريطانيا لها قبل أكثر من ستين سنة _ لملئ الفراغ الاستراتيجي الذي سيتشكل جراء انسحابها؟! والذي سيملئ حكما من قبل قوى محلية او منظمات متطرفة. ربما تم فعلا توجيه مايشبه الرسالة، أو الدعوة، والا لماذا كل هذا التخبط الأمريكي في سياسات المنطقة، وهذه الخسارة الواضحة والمتكررة في ساحة لعبتها المفضلة “سورية”. الا اذا تنبهنا الى حقيقة ان الساسة الأمريكان يفضلون دائما ان تستمر اللعبة السياسية وتطول، وان خسروا في جولاتها المتكررة، لأنهم مولعون بمتعة الممارسة ذاتها، كما انهم عن طريق اطالة اللعبة فقط يعيدون اكتشاف مصالحهم، وما ينبغي ان يفعلوه بالضبط في أشواط  اللعبة المتناوبة بين سورية ومصر.

أخيرا ان غزوة داعش لمدينة الموصول في 10 حزيران 2014، وحربها على اقليم كوردستان في 3 آب، وتزايد الدعم الدولي لكوردستان في الدفاع عن مواطنيها، واشتداد حدة  المعارك، قد تجبر داعش للانسحاب من سورية. واذا اخذنا تصريحات الرئيس اوباما بافتراضه ان مدة الهجمات الجوية على مسلحي داعش قد تطول. فالمشهد برمته بات يثير الكثير من التساؤلات، فهل شارفت اللعبة الأمريكية في سورية على الانتهاء؟ أم ان خيوط اللعبة قد تشابكت أكثر من المتوقع بعد صعود داعش؟ المؤكد ان الادارة الأمريكية ابدت مؤخرا فعالية وحزما، لدرجة اوحت بأنها الوحيدة التي مازلت تمسك بخيوط اللعبة السياسية التي شملت العراق بقوة أكثر من أي وقت آخر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*