جديد الموقع

ماذا يجني الكورد من العبثية الخلاقة؟؟ بقلم : م. رشيد 12.07.2014

من المسلم به أن كافة التغيرات والتحولات الجارية على الكرة الأرضية تقف وراءها قوى منظمة خفية عالمية (الختيارية – صناع القرار – الدولة العميقة)، وهي التي تخطط لها وتحدد بداياتها ومساراتها ومآلاتها، بهدف تنفيذ مهام وأجندات معينة، وتوكّل إدارة الأزمات الناجمة عنها إلى الدول العظمى على أساس تقاسم المصالح وتوزيع الأدوار، وطرق التنفيذ ووسائلها تعتمد على نوعية المهمة المطلوبة وأهمية المنطقة المعنية وخطورة المرحلة الزمنية، إما بالتدخل المباشر عسكرياً كما حصل في أفغانستان وكوسوفو ومالي..، أوعبرالحلفاء تحت غطاء منظمات أقليمية كالجامعة العربية والاتحاد الافريقي كما جرى في الصومال وجنوب السودان، أو بواسطة المجاميع المسلحة المشكلة على أساس ديني أو طائفي أو عرقي..، كما هو الحال في اليمن وسوريا والعراق، إلى جانب استخدام كافة وسائل الضغط من عقوبات اقتصادية، حملات استخباراتية، وحصاردبلوماسي، وتجييش أعلامي وغيرها.
كان اضرام البوعزيزي النار بجسده الشرارة التي فجرت الاحتقانات المزمنة الناجمة عن الاستبداد والفساد التي مارستها الأنظمة الشمولية الحاكمة في الوطن العربي، والتراكمات الثقيلة الناتجة عن النزاعات العرقية والنعرات الطائفية المستدامة والتناقضات الطبقية فكرياً وسياسياً واقتصادياً..، ثم تصاعدت وتيرة الأحداث شدة وقساوة وفداحة، وتفاقمت الأوضاع والظروف سوءاً بسبب تزايد المواجهات واستمرارها بين القوى المتناحرة، المدعومة اقليمياً ودولياً بالمال والسلاح، وفق مصالح وتوجهات الجهات الممولة والداعمة، وبذلك أصبحت مخترقة استخباراتياً وأمنياً وعملياتياً من قبل أكثر من جهة مانحة لها، ورهينة بأيديها تتحكم بقرارها وحراكها ومصيرها، فتعيش حالة من الحيرة والتخبط والضياع والتشوه في شكلها ومضمونها وهدفها ووجهتها، فلا تجد نفسها إلا ملزمة بالتغول في القتل والتشريد والتدمير لصالح هذه الجهة أوتلك ، وفق ما تقتضيه التوجيهات والأوامر.
إن السيناريو المتبع حالياً تحت عنوان الفوضى الخلاقة ما هو إلا أسلوب مستحدث من لدن صناع القرار(في عصر العولمة) لتدمير البنية التحتية للبلدان التي تستهدفها، وتغيير معالمها الديموغرافية والجغرافية، وتهجير خبراتها وطاقاتها، وتعميق الشروخ والجروح بين أعراقها وطوائفها المتنازعة، لتبقى أوطانها منهكة ومقسمة عاجزة (لا حول لها ولا قوة)، تسير وفق الاستراتيجيات الأمنية والاقتصادية والسياسية ..للدول التي تدير أزماتها موفرة لنفسها ولحملاتها المال والرجال وتجنب الغرق في الأوحال.
بسبب تفاقم الأزمات والمآسي والمعاناة التي تعيشها جميع الشرائح والفئات المجتمعية في البلدان المنكوبة (مناطق الصراع) والتي طالت آثارها الجوار والمجتمع الدولي بشكل أو بآخر، تعالت أصوات إنسانية وأخرى أممية نبيلة لوقف العنف والنزيف وفرض الحلول ولكن دون جدوى، وراح آخرون يبحثون عن الأسباب من باب التنظير والتحليل، فيلقون باللائمة والمسؤولية على ضعف أداء ذاك الرئيس( مثل أوباما)، أو سوء تقدير تلك الادارة ، أوخروج زمام الأمور عن السيطرة والتحكم، أوتضارب مصالح الدول العظمى(الأقطاب) والتي تدفع ضريبتها البلدان المنكوبة المزيد من الويلات والمصائب والكوارث، إلا أن المهم في الأمرهو النتائج المتوخاة، والتداعيات المتوقعة لمسلسل الصراع المحتدم في المنطقة، الذي تتداخل مشاهده وتتشابك وقائعه مع أجندات المجاميع الراديكالية المسلحة والمطعّمة بالجهاديين القادمين من مختلف أصقاع العالم، وتظهر ذلك التغيرات الدراماتيكية الحادة والمفاجئة والخطيرة، كإعلان دولة الخلافة الاسلامية من قبل زعيم داعش (البغدادي) بعد سقوط موصل والتوجه نحو بغداد، والإمارة الاسلامية من قبل زعيم جبهة النصرة (الجولاني) في سوريا، وسيطرة الحوثيين على مدينة العمران وإعداد العدة للسيطرة على صنعاء، وتبادل اطلاق النار بين فصائل سلطة غزة واسرائيل وعزم الأخيرة باجتياح القطاع برياً، وأداء الرئيس الأسد القسم بعد اعادة انتخابه لولاية جديدة، وتصاعد الخلافات بين اقليم كوردستان والمركز إلى حد مقاطعة الوزراء الكورد لاجتماعات الحكومة برئاسة المالكي بسبب تهجماته واتهاماته للاقليم، وعزم الاقليم على اجراء استفتاء لاعلان دولة كوردية مستقلة، إضافة إلى ذلك وجود تحركات ومبادرات اقليمية ودولية عبر عقد مؤتمرات ولقاءات تشاورية كما حصل في الأردن وأسبانيا وتركيا مؤخراً، للاحاطة بالتطورات الجارية وتهيئة الرأي العام لتقبل ما ستتمخض عنها من مستجدات وتوليف المواقف على أساسها، لكن كما يبدو (وسبق ذكره) إن الأحداث تسير وفق برنامج متكامل ومدروس بعناية واحكام لتحقيق عدة أهداف نهائية مرسومة بغض النظر عن الاختناقات والانعطافات التي تمر بها، وحجم الخسائر والويلات التي تنجم عن تطبيقه، ومن هذه الأهداف:
1) تغيير الخارطة السياسية للمنطقة على أنقاض اتفاقية سايكس بيكو المنتهية صلاحيتها، وإعادة التوازن والاستقرار إليها تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد يكون المسيطر والفعال هو إسرائيل.
2) إستنزاف الدول الفاعلة وتحجيم دورها(وبخاصة دول الطوق المقاوم) بهدر طاقاتها وخبراتها لتصبح منهكة ضعيفة تحتاج إلى إعادة البناء والتطوير، يسهل الاستثمار فيها ولمدة زمنية طويلة.
3) تعميق النزاعات العرقية والصراعات الدينية والطائفية والخلافات السياسية لتبقى البلدان في حالة صدام واضطراب دائم يبرر التدخل في شؤونها واستغلالها.
4) القضاء على المجاميع المسلحة بمختلف صنوفها وأشكالها وإنهاء بعضها للبعض، بعد استخدامها في إضعاف الدول والقوى المنظمة والفاعلة على الأرض وإنهاكها.
5) نزع أسلحة التدمير الشامل النووية والكيميائية من الدول الممتلكة لها كسوريا وإيران لضمان أمن إسرائيل والمصالح الحيوية للدول العظمى.
6) تشكيل كيانات مستقلة فتية والتي ستحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد والدعم حتى تقف على أقدامها، وتصبح أرقاماً صعبة تعترض سياسات مراكز القرار ومصالحها.
والكورد باعتبارهم أكبر شعب في المنطقة يتجاوز تعدادهم الأربعين مليوناً مجزئين (مع أرضهم) بين عدة دول، يطمحون في تقرير مصيرهم ببناء كيانهم القومي أسوةً بباقي شعوب العالم، فهم مكون أساسي في تلك الدول، لهم اعتبارهم في الحسابات والمعادلات المحلية والإقليمية والدولية، يعيشون عبثية الأحداث الجارية ويعانون آثارها من قتل ودمار ونزوح، ويسعون للصمود والتأثير في سير الأحداث والمساهمة في تحديد مستقبل المنطقة، بالرغم من تعدد الأديان وتنوع المذاهب في المجتمع الكوردي، والتي لم تخرجهم عن المسار القومي العام، والذي يتواجد فيه تيارات سياسية متباينة في النهج والممارسة، يتفاوت حضورها وفق البيئة الحاضنة والظروف الملائمة ضمن خصوصية كل جزء من كوردستان.
في كل الأحوال فإن النزعة القومية الديمقراطية العلمانية السلمية هي السمة السائدة على كل النزعات الأخرى (إن وجدت) لدى الكورد، والوطنية متلازمة لها (ضمن اشتراطات واستحقاقات) لتأمين كامل حقوقهم القومية والوطنية والديمقراطية والانسانية في الدول التي يعيشون فيها على أساس الشراكة الحقيقية في الوطن كما تقره العهود والمواثيق الدولية، ففي ظل الظروف والتغيرات الجارية، يسعى الكورد لاستغلال الفرصة التاريخية الراهنة لتحقيق مكاسب قومية، ففي العراق يستعدون لإجراء استفتاء لتقرير مصيرهم بعد سيطرة البيشمركة على المناطق المستقطعة من الإقليم وبخاصة مدينة كركوك الغنية بالنفط، والتحكم بإنتاج نفط كوردستان وتسويقه عبر ميناء جيهان التركية، أما في سوريا فالكورد منقسمين على مجلسين المجلس الوطني الكودي ENKS الذي ينشط سياسياً ضمن إطار الائتلاف الوطني السوري المعارض، ومجلس شعب غربي كوردستان EGRK الذي أسس إدارة ذاتية في المناطق الكوردية وتحميها قوى أمنية (asayiş) وعسكرية (ypg) تابعة له، و في تركيا فالعملية السلمية مستمرة على قدم وساق بين منظومة المجتمع الكوردستاني بزعامة أوجلان والدولة التركية بالرغم من وجود ارهاصات هنا و منغصات هناك، وتبقى إيران الملالي ذات القبضة الأمنية الحديدية، حيث الكورد يسعون لترتيب أوضاعهم وتوحيد صفوفهم، وينسقون مع أطراف المعارضة، انتظاراً لظروف موضوعية سانحة واستعداداً للنهوض وإثبات الحضور.
لدى تأمل المراقب في اللوحة السياسية للمنطقة وقراءة عناوينها، يلاحظ أن جميع الأحداث والأوضاع مترابطة بشكل أو بآخر، فالتقدم أو التراجع في أي منحى يعكس سلباً أو إيجاباً على باقي المناحي، لأن محاور الصراع باتت معروفة، ومميزة على أساس الدين والمذهب والعرق والولاء لهذا القطب أو ذاك (روسيا أو أمريكا)، ولكل محور ذيوله وأصوله.
المنطقة برمتها في حالة مخاض عسير ونزيف خطير، وهي مقبلة على تحولات وترتيبات جذرية وملموسة ، ولابد للكورد من موقع يشغلونه في اللوحة المستقبلية سياسياً واقتصادياً وأمنياً ..، وشكل ذاك الموقع ومواصفاته وصلاحياته يتوقف على قدرة الكورد ومشاركتهم في بنائه ورسم ملامحه، وجدارتهم في احتلاله وإدارته..، وهنا ينبغي على الحركة الكوردية القيام بخطوات مستعجلة ضرورية (تحضيرية وتأسيسية) لتوفير مستلزمات القدرة والجدارة، ومن أهمها:
1) تأسيس مرجعية كوردية عبر عقد مؤتمر قومي كوردي برئاسة السيد مسعود البارزاني (تم تزكيته وتخويله من قبل باقي زعماء الكورد البارزين مام جلال وأوجلان وهجري) لرسم السياسات الاستراتيجية العامة للحركة الكوردية، وتحقيق التعاون والتنسيق والتوافق على تحديد المواقف والمواقع على كافة الأصعدة الكوردستانية والإقليمية والدولية لصالح القضايا القومية المصيرية (للمزيد من الاحاطة بالموضوع يرجى الاطلاع على مقالنا “المؤتمر القومي الكوردستاني” المنشور في بعض المواقع الالكترونية (welate me, gemyakurda , welati) بتاريخ2013-08-11.
2) توحيد الصف والخطاب الكورديين ضمن كل جزء من كوردستان يراعي الخصوصية الوطنية للحركة الكوردية فيه، ويحترم استقلاليتها، ويمنع التدخل في شؤونها، ويتم التعامل معها على أساس التضامن الأخوي وتبادل الآراء والخبرات وتقديم المساعدات والإمكانات بما يتوافق مع سياسات المرجعية (بند 1).
3) عدم الانجرار إلى خنادق الصراعات المذهبية والعرقية والاقليمية الدائرة مهما كان المبرروالشكل والأسلوب والغاية، وعدم تمثيل دور الثوار تحت الطلب لتنفيذ أجندات جهات لا مصلحة للكورد فيها.
4) توثيق التحالفات مع كافة القوى الوطنية والديموقراطية من باقي المكونات الاثنية والدينية والسياسية الأخرى في المنطقة، تلك التي تلتزم بحقوق الشعب الكوردي وتدعم تطلعاته القومية، وتوطيد العلاقات مع دول الجوار والعالم على أساس تقاطع المصالح لتهيئة الارادة الدولية واستمالتها إلى جانب قضايا الكورد القومية والمصيرية.
5) إيلاء الاهتمام بالنضال السلمي (السياسي,الدبلوماسي,الإعلامي,..) لإثبات الحضور الكوردي وكسب عطف ودعم الرأي العام العالمي.
6) بذل كل الجهود والطاقات من أجل حماية إقليم كوردستان العراق كنواة قومية وإنجاز تاريخي، والعمل على ترسيخ أركانه وتطوير تجربته، والاستفادة من خبراته وإمكاناته في تفعيل دور الحركة الكوردية في باقي الأجزاء.
وفي الختام نشير إلى أن “داعش “وأخواتها تتاخم المناطق الكوردية بطول حدود يناهز 2000 كم ، ووقوع الكورد في مرمى نيران كافة أطراف الصراع، وتوزعهم بين أربع دول قائمة تحكمها أنظمة قوموية شمولية (تتفق على محاربة الكورد حتى لو وصلت خلافاتهم إلى حد المواجهة)، ترفض الحديث عن القضية الكوردية كأمر واقع ومطلوب، ويساندها طابوراً طويلاً من الامتدادات على أسس عرقية و دينية و مذهبية، والتحالفات على أسس سياسة ومصلحية، وتفعل المستحيل لاخماد حركات الكورد وكبح طموحاتهم، لذا يتطلب من الكورد الحذر والحيطة في التعامل مع أية منها، فلديها من الأوراق للمساومة والمناورة، كما ينبغي التيقظ والانتباه لعدم تكرار أخطاء الماضي واقتران اسم الكورد بهزائم وانتكاسات بعض الأقوام والدول والامبراطوريات، فيصبحون أهدافاً للثأر والانتقام على مر التاريخ.
إن ترتيب البيت الكوردي وتقوية أساساته وتوحيد صفوفه وتنمية قدراته وتطوير سياساته (من أولى المهام واهمها) كفيلة بتحقيق مكاسب قومية واحدة تلو الأخرى، والسياسة فن الممكن تبعاً للظروف والشروط والمقومات المتوفرة، فسياسة الـ: خطوة- خطوة عملية وناجعة ابتكرها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كيسنجر ونصح بها، وعمل بها الأمريكان وغيرهم فبلغوا مقاصدهم ومآربهم، لهذا يحتاج الكورد إلى ممارسة السياسة بحكمة وحنكة مستلهمين الدروس والعبر من تجاربهم الكثيرة والمريرة، ومستعينين بالأصدقاء أنصار الحرية والديموقراطية والسلام، والمدافعين عن حقوق الانسان والشعوب، ومستغلين الظروف المواتية بذكاء ودقة، ويبقى أن نشيد بتجربة الاقليم من كافة النواحي والمجالات وتقدمه بخطوات موثوقة موزونة نحو الأمام، وهي بحاجة إلى دعم ومساندة بصورة دائمة ومستمرة.
—————- انتهت —————–

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*