جديد الموقع

تقرير سياسي 22-7-2014

بتاريخ 16/07/2014، وفي القصر الجمهوري بدمشق، أدّى الدكتور بشار الأسد اليمين الدستورية لولاية رئاسية ثالثة إثر عملية ما سميتْ بـ”الانتخابات الرئاسسية” الصورية التي جرتْ في شهر حزيران المنصرم، وفي خطابٍ له بهذه المناسبة، اعتبر بشار الأسد كلَّ قوى المعارضة خونة وعملاءً للخارج، مما يوحي بأن آلة القتل والتدمير سوف تستمر، كونه أغلق أبواب الحوار للبحث عن الحلول السياسية لهذه الأزمة، وكل الدلائل تشير إلى أنها ستبقى مستمرة على المدى المنظور، ويتجه مصيرُ البلاد نحو المجهول، والمذبحة متواصلة، خصوصاً بعد فشل مساعي المبعوث العربي والأممي السيد الأخضر الإبراهيمي الذي قدم استقالته ليخلفه في مهمته الدبلوماسي دي ماستورا السويدي-الإيطالي الجنسية، ولا شكَّ في أنّ دربَه محفوفٌ بالصعوبات والعراقيل، ويحملُ القليلَ من الآمال. وبسبب تناقضات المصالح الدولية والإقليمية، فإن البحثَ الجاد عن حل سياسي يضمن حقوق ومطالب الشعب السوري غائبٌ عن جدول أعمال لقاءاتها، والأزمة مرشحة للمزيد من التعقيد، وتلقي بظلالٍ من الخوف على الأمن والسلم في المنطقة والعالم. إنَّ هذه الأجواء العكرة والمشحونة عالمياً، إلى جانب ضعف وتشتت قوى المعارضة الوطنية السورية قد خدمتْ نظام الاستبداد القمعي في دمشق، الذي استغلَّها في ممارسة المزيد من القتل والتدمير وارتكاب المجازر المروّعة، كان آخرها مجزرة بلدة سلقين بريف إدلب التي راح ضحيتها ما يقارب الأربعين مواطناً جلُّهم من الأطفال والشيوخ والنساء بدافع الانتقام من الشعب وتحطيم إرادته في الحرية.
وبسبب طول أمد هذه الحرب التي تشتعل في سوريا منذ ما يزيد عن ثلاث سنواتٍ، ولتعدُّدِ الجهات والقوى المتصارعة على مصالحها في سوريا التي تتمتع بموقع جيوسياسي استراتيجي متميز، وبسبب الشحن الطائفي المؤدلج من قبل النظام من جهة، ومن جانب القوى الإقليمية التي تغذي هذه الحرب التي يتحمل النظام مسؤوليتها من جهة أخرى، فقد انتقلت شرارتها إلى العراق، وسقطتْ مدينة الموصل في سهل نينوى يوم التاسع من حزيران الماضي على يد تنظيم داعش الإرهابي الذي ألغى الحدود بين سوريا والعراق مؤخراً، وغيّر اسمه إلى “الدولة الإسلامية” وبايع أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين رسمياً بتاريخ 29/06/2014، والانسحاب المريب لجيش المالكي من تلك المناطق مخلفاً أسلحته وعتاده العسكري، قد خلق فراغاً في المناطق الكردية المستقطعة والتي كانت تقع خارج إدارة الإقليم، الأمر الذي دفع بقيادة إقليم كردستان العراق إلى ملء ذلك الفراغ بقوات البيشمركة لضمان أمنها وسلامة سكانها بمختلف مكوناتها القومية والإثنية، واستشهد العشرات من قوات البيشمركة في دفاعهم المشرّف عن أرضهم وشعبهم ومقدساتهم. ويبدو إن العراق مقبلٌ على مرحلة جديدة، وسيعمُّه الفوضى والخراب والدمار كما هو الحال في سوريا، وستمتدُّ ألسِنة لَهَبِها إلى مناطق أخرى من العالم لاحقاً ما لم يتم تدارك الأمر من قبل المجتمع الدولي، وحلّ القضية السورية من جذورها، محققاً إرادة شعبها في الحرية والكرامة والخلاص.
إن السياساتِ الفردية ذات التوجه الطائفي التي انتهجتها حكومة المالكي مع الأحداث التي شهدها العراق منذ ما يزيد عن السنتين بدءاً بالاحتجاجات والمظاهرات السلمية المطالبة بالعدل والإنصاف والمساواة في مناطق العرب السنة، ودعواتها لفك الارتباط السياسي والاجتماعي مع إيران التي تتدخل في تفاصيل ودقائق الشأن العراقي، حتى وصل بها الأمر إلى حد ما يشبهُ الوصاية، إضافة إلى سياساته الاستعلائية الفجة في التعامل مع حكومة إقليم كردستان العراق، ومماطلته وتنصله المستمر عن وعوده بحل قضية المناطق الكردستانية المستقطعة من كردستان بما فيها مدينة كركوك وحلها حسب المادة 140 من الدستور العراقي، ثم إقدامه أخيراً على قطع حصة الإقليم من موارد العراق وحرمانه من الموازنة، الأمر الذي أدى قطع رواتب الموظفين…إلخ، هي التي دعت العرب السنة إلى حمل السلاح والوقوف مع داعش، ويتحمل المالكي مسؤولية ما آلت إليها الأوضاع في العراق. إن الحل العسكري والأمني لهذه القضية، والتلميحات الإيرانية بطلب المساعدة العسكرية رسمياً من قبل الحكومة العراقية لمحاربة داعش، سوف تصبّ الزيت على النار وتزيد من تأزيم الوضع الذي يستدعي حلاً سياسياً وتوافقاَ بين كل القوى الوطنية العراقية بإشراف دولي دون تهميش أحد، والعمل على تشكيل حكومة جديدة لا يرأسُها المالكي، والوفاء بالتزامات العراق الفيدرالي مع إقليم كردستان العراق، والتعامل العسكري مع تنظيم داعش والفصائل المسلّحة الدخيلة على الوضع العراقي حصراً.
نتيجة لتفاقم الخلافات بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، ولاتهام المالكي حكومة الإقليم زوراً وبهتاناً بإيواء الإرهابيين من تنظيم داعش، فقد قررت حكومة الإقليم سحب وزرائها من الحكومة المركزية. وكحقٍّ شرعي للشعب الكردي الذي كان عبر القرون ضحية مصالح الدول الكبرى، فقد دعا السيد مسعود بارزاني-رئيس إقليم كردستان البرلمانَ الكردستانيَّ إلى التحضير لإجراء استفتاء شعبي حول حق تقرير المصير وإقامة الدولة الكردية المستقلة، حيث لاقتْ هذه الخطوة ردود فعل دولية وإقليمية متباينة بين مؤيد لها ومعارض. وبكل الأحوال، فإن ما يقرره الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق هو حقٌ مصان بموجب كافة القوانين الدولية ولوائح حقوق الإنسان ومواثيق الأمم المتحدة وتستدعي الدعمَ والتأييد من جانب الأحزاب والقوى الكردستانية وكافة القوى الخيّرة في المنطقة والعالم.
أما بالنسبة إلى الوضع الكردي السوري والتمعن في اللوحة السياسية الراهنة، فإن عنوانَها الأبرز هو التشتت وعدم القدرة على التفاعل والتأثير في الأحداث، ويبدو واضحاً للعيان بأن الحركة الوطنية الكردية بهذا الوضع والأداء، ليستْ في مستوى المرحلة والتحديات المنتظرة. ففي ظل هذه الظروف بالغة الصعوبة التي يعيشها شعبنا من تهجير قسري من وطنه، ومعاناته من وضع معيشي مزرٍ، وحصارٍ من جانب السلطة والقوى التكفيرية التي فرضتْ طوقاً محكماً على مناطقه، عدا عن التهديدات المستمرة باقتحام مدنه وبلداته، وبث الذعر والرعب في قلوب أبنائه من خلال عمليات انتحارية وعبوات ناسفة في مناطقه كالتفجير الذي حصل مؤخراً في تربه سبي(قبور البيض) وأودى بحياة ما يقارب الـ 14 مواطناً من الكرد والعرب، والحملة العسكرية الهمجية التي تتعرض لها كوباني هذه الأيام، يتطلب من هذه الحركة أن تتصدى للمهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقها بعيداً عن الحسابات الحزبوية الصغيرة والصراعات البينية التي تزيدُ الوضعَ تعقيداً، وتعمِّقُ الشرخَ بين الشعب وحركته الوطنية الكردية. وتجدر الإشارة إلى أن البيانين اللذين صدرا عن المجلسين المحليين للمجلس الوطني الكردي ومجلس الشعب في غرب كردستان بكلٍّ من كوباني وديريك بخصوص الهجمات الإرهابية لقوى الظلام والتكفير على ريف كوباني الصامدة، ودعوتهما لوحدة الصف والموقف الكرديين وحماية السلم الأهلي في مناطقنا، قد حظيا بتعاطف شعبي كبير وارتياحٍ واحترام لدى عموم أبناء شعبنا التواق إلى وحدة الصفوف.
وبما أن نضالَنا هو نضالٌ سياسي ديمقراطي سلمي ينبذ لغة العنف والإرهاب، فإن ممارسة النقد في إطار احترام الآراء وضمن آداب ولغة الحوار هو حقٌ مشروعٌ ومقدّس، لا يجوز لأية جهة سياسية مصادرته، وإننا كأحد أعضاء المجلس الوطني الكردي، عندما ننتقد ضعفَ أداء المجلس وبطْءَ آلية تنفيذ القرارات فيه وضعف تحمل المسؤولية وغيرها من النواقص والأخطاء والملاحظات، فإننا بدورنا نتحملُ جزءاً من تلك المسؤولية. وكذلك، فإن مجلس الشعب لغرب كردستان الذي يتخذ القرارات الوطنية والقومية بمفرده من جهة، وتقوم قوات الأسايش التابعة إليه بمنع نشاطات أحزاب المجلس الوطني كما حصل في رأس العين وغيرها وإقدامها على اعتقال أعضاء الأحزاب الكردية المختلفة معها بالرأي ونفي آخرين منهم وترحيلهم قسراً إلى خارج البلاد، وإقدامها مؤخراً على إصدار ما يسمى بقانون التجنيد الإجباري الذي سيزيدُ الهجرةَ من المناطق الكردية وإفراغها من سكانها الأصليين، وسيخلق أوضاعاً تؤدي في النهاية إلى تغيير ديموغرافي بمناطقنا، نرى بأنها سياساتٌ خاطئة وليست في الاتجاه الصحيح، ولا تخدم البتة عملية تنقية الأجواء الكردية ومهام وحدة الصفوف التي نحن اليوم بأمسّ الحاجة إليها، حيث ينبغي إعادة النظر في هذه السياسات بجدية ومسؤولية، لأن قوتنا كحركة سياسية تكمن في وحدة صفوفنا. وعليه، يجبُ على كلا المجلسين الوفاء للشعب والسعي الجاد لإعادة الحياة إلى العمل المشترك بينهما على أرضية الشراكة الحقيقية بعيداً عن منطق الاستعلاء والاستقواء، وصولاً إلى تمثيل الكرد معاً في المحافل الدولية التي سوف تُعقَدُ في قادم الشهور لتثبيت حقوق شعبنا الكردي في دستور سوريا الجديدة.
وبمناسبة تزامن تقريرنا هذا مع الذكرى السابعة والخمسين لتأسيس أول تنظيم سياسي كردي في سوريا، لا يسعنا سوى أن نتذكر بالورود والياسمين المؤسسينَ الأوائلَ: رشيد حمو، أوصمان صبري، حمزة نويران، شوكت حنان، خليل محمد، حميد حاج درويش ومحمد علي خوجة، وغيرهم من خيرة مناضلينا الذين شقوا دربَ النضال في أحلك الظروف وأصعب الأوقات، وأن نحنيَ قاماتِنا أمام شهداء هذه الحركة الوطنية منذ يوم تأسيسها وحتى الآن، وأولئك المناضلين الذين ضحوا بسنين طويلة من أعمارهم في سجون نظام الظلم والقهر دفاعاً عن وجودنا وحقنا في الحياة والحرية. وكذلك بهذه المناسبة الغالية على قلوبنا جميعاً، حريٌّ بنا أن نستذكر خصائلَ ومناقبَ فقيدنا الكبير، رئيس حزبنا الأستاذ إسماعيل عمر الذي كرّسَ حياته لخدمة القضية الكردية التي آمنَ بعدالتها، وعمل كلَّ ما بوسعه في سبيل تحقيق أهداف شعبنا في التخلص من قيود الظلم والاضطهاد، فأَوْلى المصلحة الكردية جلَّ اهتمامه وقدمها على بقية المصالح الشخصية والحزبية، بل كانتْ على الدوام من أولى أولوياته. كما أتقنَ فقيدنا الكبير الربطَ الجدلي والموضوعي بين الجانب القومي للنضال الكردي في سوريا وجانبه الوطني، فأعطى وأجزَلَ العطاء، واستطاع في فترة الحوارات واللقاءات مع أطراف الحركة الوطنية السورية خلال تأسيس ائتلاف إعلان دمشق عام 2005 أن يقنعَ العديد من القوى والشخصيات العربية بعدالة القضية الكردية في سوريا، وأنها قضية وطنية تهمُّ كلَّ السوريين على اختلاف قومياتهم وأيانهم ومذاهبهم. فتحية إلى روحه الطاهرة وأرواح شهداء الحركة الكردية، وشهداء الحرية والكرامة على عموم الأرض السورية.
اللجنة السياسية
لحزب الوحــدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي)
22/07/2014

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*