جديد الموقع

معرفة الأكراد عربياً آزاد أحمد علي

معرفة الأكراد عربياً
آزاد أحمد علي
ملحق جريدة النهار – 5 تموز 2014
إثر التحولات السياسية والثورة التكنولوجية في مجال الاتصالات والإعلام في السنوات الأخيرة، برزت دولياً قضايا سياسية عديدة، وخصوصاً قضايا الشعوب والأقليات القومية والدينية التي تتعرض للاضطهاد والاضمحلال، وفي صدارتها قضية الشعب الكردي في منطقة الشرق الأدنى.

بعد حرب الخليج الثانية طغت المسألة الكردية في العراق على مجموع القضايا التي تشغل المثقفين العرب، فهبطت بشكل مفاجئ على جدول أعمال المثقف العربي المهتم والمختص. يمكن الافتراض بداية أن الموضوع الكردي لم يؤسس له عربياً، بل ظلّ بعيداً من التناول العلمي والمعرفة الموضوعية بجذورها. لجأ البعض إلى الكتب والموسوعات المتوافرة في السوق أو في المكتبات، كان أغلبها لمستشرقين ومترجمين عرب، بهدف الإطلاع السريع على جوانب هذا الملف الساخن، ولسد الثغرة المعرفية الموجودة أصلا في الثقافة العربية السياسية المعاصرة في خصوص الموضوع الكردي.
سأتطرق إلى جانب من آليات تشكل المعرفة العربية الراهنة بالمسألة الكردية، ومحاولة رصد صورة الأكراد المرتسمة في الذهنية العربية المعاصرة. بالقدر نفسه أود التنبيه إلى ضرورة أن تكون هنالك قراءة عربية متعمقة للمسألة الكردية، بما يقتضيه ذلك من تملك مفاتيح عربية خاصة لمعرفة هذه القضية وتفهمها وإيجاد حلول لها. لا يتحقق ذلك إلا بعد أن يتم تصحيح الصورة والمشهد من الناحية المعرفية العامة، ومن ثم معالجة نتائجها سياسيا.
في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي ورد في النشرة الرئيسية لأخبار تلفزيون دمشق الحكومي الخبر الآتي: “انسحب أربعة من نواب المعارضة العراقية من البرلمان التركي…”. كل من سمع الخبر يومئذ اعتقد أن ثمة خطأ مطبعياً في إعداد الخبر أو قراءته، وإلا كيف ينسحب أعضاء من المعارضة العراقية من برلمان تركيا؟! بعد سنوات من إذاعة هذا الخبر عرفتُ مصادفة أنه كان هناك تعميم رسمي: “إذ عممت وزارة الإعلام في دمشق ضرورة الالتزام باستبدال اسم “الكردي” بـ”المعارضة العراقية” أينما ورد في الصحف والنشرات الإخبارية في الإعلام الرسمي السوري، أي بضرورة استبدال كلمة كردي أو كردستاني بالمعارضة العراقية أينما وردت. بذلك نكتشف أن أصل الخبر كان: “انسحب أربعة من النواب الأكراد من البرلمان التركي”.
مثّلت هذه الحادثة ذروة النهج الفضائحي للاعلام العربي “البعثي” الذي عمل على تزييف الواقع وتشويهه. قبل إذاعة هذا الخبر بأكثر من نصف قرن، نجد في مستهل كتاب “دروس تاريخ الشرق والغرب”، لمحمد نجيب الجزار، طبع ونشر مكتبة طباخ إخوان حلب، عام 1946، الذي كان يدرّس لطلاب شهادة الكفاءة (الإعدادية) في مدارس سورية، فقرة مطولة تشرح طبيعة حكم المماليك في سوريا: “المماليك هم فئة من الرقيق، أتى بهم النخاسون من نواحي تركستان وقفقاسيا، فكان هؤلاء يشترون أجمل وأذكى أبناء القفقاسيين والقزوينيين من جركس وكرج وأرمن وأتراك، فيبيعونهم لملوك وأمراء مصر وسوريا الأكراد، الذين ورثوا ملك صلاح الدين الأيوبي. وهؤلاء كانوا يربون المماليك في قصورهم تربية حسنة، ويدربونهم على الحرب والفروسية، ويعلمونهم اللغة العربية والفقه والحساب وسائر العلوم التي تؤهلهم للاستخدام في مناصب الدولة. وكان الأمراء الأكراد يقربون النابغين من مماليكهم ويعتمدون عليهم في تأمين الأمن وقيادة الجيوش، وإدارة المدن، وتدبير الملك، وكثيرا ما طمع هؤلاء المماليك بالإمارة بل بالملك ذاته، حتى ارتقى بعضهم إلى منصة الملك والسلطنة. وهكذا نشأت على أنقاض الدولة الأيوبية دول طوائف حديثة من هذا النوع عرفت في ما بعد بدول المماليك”.
إذاً، في أواسط القرن العشرين وفي سياق تعليم تاريخ سوريا، تم التأكيد أن الأمراء والفرسان الأكراد كانوا حكاماً لبلاد الشام، وولاة على مناطق عديدة من المشرق منذ مطلع الألف الأول الميلادي. تالياً، لم تكن سياسة التشويه التاريخي وتزييف الوعي قد بدأت حتى تلك المرحلة عند سرد تاريخ المنطقة. لكنه وخلال نصف قرن بين التاريخين المذكورين أعلاه، شنت حملة من التشويه المعرفي والعلمي على أوسع نطاق، تهدف إلى إلغاء كل ما هو متعلق بالأكراد وتاريخهم وحاضرهم، ومن ثم توظيف نتائج عملية التزييف تلك في السياسة والحكم. الحملة كانت منظمة ومؤدلجة، انتشرت على نطاق جغرافي واسع، تجاوزت حدود سوريا وبلاد الشام والعراق. كان التوجه فردياً عند البعض وحزبياً عند البعض الآخر، لكنه في المحصلة وصل إلى المؤسسات ضمن حكم حزب البعث في كل من سوريا والعراق، وبات سياسة ومنهجا لها. جاء ذلك في إطار سلسلة من الإجراءات والسياسات الثقافية والخطط التعليمية للتعتيم على الموضوع الكردي معرفياً أولاً، ومن ثم سياسياً وإعلامياً في المقام الثاني. هذه السياسات المنهجية بدأت بالمدارس والجامعات، وصولاً إلى إعادة كتابة التاريخ، بهدف التعتيم على حقيقة الوجود الكردي وفاعليته، ومن ثم تشويهه، فنسيانه.
كانت النكتة الإعلامية السابقة الذكر، الذروة والمنعطف في سياسات التشويه وتغيير الحقائق كلياً، وصولا إلى الكذب على الواقع وخداع المتلقي والقارئ العربي. تالياً لم يعد من الممكن على فرد أو جهة ذات إمكانات متواضعة، الرد على هذا السيل من المعلومات المعكوسة، إبان فترة تاريخية طويلة نسبياً، فتأثرت عموم الثقافة العربية المعاصرة بهذه الحملة التضليلية، إلى أن وصلنا إلى ما يمكن أن نسمّيه سياسة التجهيل والجهل بالموضوع الكردي جملةً وتفصيلا.
ليس مستغرباً أن لا يعرف المواطن بل المثقف العربي شيئاً ذا قيمة جوهرية وموضوعية عن واقع الأكراد وتاريخهم. لأن الموضوع تم صوغه وإخراجه من جديد خلال حقبة تاريخية معاصرة طويلة، تأسس فيها الوعي المعرفي العربي المعاصر. تشكل هذا الوعي في خطّه العام تحت تأثير عاملَي التعليم المدرسي والإعلام المعاصر.
بين هاتين المحطتين، الأولى “التوصيف المدرسي للأكراد كفرسان نبلاء وحكام للمشرق”، والتشطيب الأخير على مفردتَي “الأكراد وكردستان”، في إعلام نظامَي البعث، مر نصف قرن من التشويه المقصود لتاريخ المنطقة، وحجبت المعلومات والمعارف عن طلبة المدارس والجامعات وجمهور العامة. بل تم تغيير كل المعلومات والإشارات الصحيحة الدالة على أصل الأكراد وتاريخهم ودورهم المميز في دول المنطقة وحضاراتها، بما أفضى إلى تراجع معرفة العربي لتاريخه وواقعه بدلالة معرفة تاريخ الأكراد وغيرهم من الشعوب المجاورة.
ما يستوقفني في هذا الموضوع هو كثافة تناول التراث المعرفي العربي للأكراد كمجموعة إثنية وأمة، فقد أخذ حقه الكامل في أمهات كتب التاريخ والأنساب والجغرافيا والفقه، مقابل فقر معرفي معاصر. فقلما خلا مرجع أو مصدر من المصادر التاريخية العربية من توصيف الكرد، بل تضمن كثافة في المعلومات المتعلقة بهم، حيث نال الموضوع الكردي اهتماماً كبيرا من الأعلام المسلمين، فتمت معالجته علمياً، ضمن شرطه وسياقه التاريخي. في حين لم يأخذ الموضوع الكردي الحد الأدنى من اهتمام المثقفين العرب وكذلك المؤرخين المعاصرين. أُهملت المسألة الكردية معرفياً، على الرغم من أن الأكراد هم أقرب الشعوب جغرافياً واجتماعياً إلى العرب. هذه الحقيقة البسيطة لم تحرض ذهن الدارسين والباحثين العرب المعاصرين، بقدر ما أثارت اهتمام البلدانيين العرب الأوائل. فعلى سبيل المثال، يعدّ مفتي دمشق المؤرخ ابن فضل الله العمري (توفي في نحو العام 1300م)، أول من أسس لأهمية موضوعة الجوار الجغرافي العربي – الكردي، فحدد جغرافيا وجود الأكراد قبل القرن الثالث عشر الميلادي في كتابه الموسوعي “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” بدقة، في الوقت الذي مال في توصيفه إلى ربط الجغرافيا السكانية للأكراد مع البلاد العربية، أكثر من ربطها بالجبال في شمال بلاد الرافدين وسوريا، فبيّن عصرئذ: “الفصل الأول في الأكراد. الذي نقول وبالله التوفيق إن الأكراد وإن دخل في نوعهم كل جنس يأتي ذكره في هذه الفصول، فإنهم جنس خاص من نوع عام وهم من قارب العراق وديار العرب دون توغل في بلاد العجم. ومنهم طوائف بالشام واليمن. ومنهم فرق متفرقة في الأقطار، وحول العراق وديار العرب جمهرتهم. وغلب في زماننا بما يقارب ماردين… ولم أذكر من عشائرها إلا من كنت به خبيراً أو لم اسم فيها إلا بيت ملك أو إمارة تبدأ بجبال همذان وشهرزور وأربل وتنتهي إلى دجلة الجزيرة من كوار إلى الموصل وتترك ما وراء دجلة إلى نهر الفرات لقلة الاحتفال به. على إن ما ذكرته هو خلاصة المقصود. إذا لم يبق إلا أكراد الجزيرة وقرى ماردين وهم بكل من جوارهم من الأعداء الماردين، مع إن أماكنهم ليست منيعة ومساكنهم للعصيان غير مستطيعة”.
فإذا كان الباحث العربي لم يتنبه إلى حقيقة مقاربة المصادر العربية لتاريخ الأكراد وعلاقتهم الوطيدة بالعرب في إطار الدولة العربية الإسلامية، فإن كل من كان على علم بهذه المعارف يتحمل جزءاً من مسؤولية عدم الكشف عن هذا الغنى المعرفي في مصادر التاريخ العربي وكتب التراجم والإعلام العربية، التي شكلت أهم مصدر لمعرفة الأكراد منذ أكثر من ألف وثلاثمئة عام، حتى العقود والسنوات القليلة الماضية. نتحمل مسؤولية حجب هذه المعلومات وطريقة توظيف الجهل بها لأغراض سياسية وحزبية و”قومية” ضيقة. وعلى الرغم من سخونة المسألة الكردية، لم يول الإعلام الرسمي العربي ومناهج التعليم أي أهمية لمعرفة هذا الشعب “الجار” الذي يشكل حلقة وصل مع الجوار الأبعد، بل ثمة توافق “ثقافي” عربي على إهمال كل ما يتعلق بالأكراد بطريقة ما، وتناسي تاريخهم وبلادهم، كونها من الألغام التي لا يحبذ الاقتراب منها.
ان عدم التنبه إلى أهمية الجوار العربي – الكردي، موجباته وضرورة تناوله، أولا من الناحية المعرفية – التاريخية، ومن ثم الجيوسياسية، يشكلان نقطة ضعف كبيرة للثقافة والمعارف العربية المعاصرة. كما أن هذه المعرفة المفترضة لم تعط أي أهمية لاحتمالات تحولات مستقبلية ذات صلة متفاعلة مع هذا القرب الجغرافي، وإنما اتخذت سياسة التجاهل والتهرب من الموضوع ذاته أساسا للتناول. حدث ذلك على الأرجح كاستعارة من سياسة القوميين العرب في بلاد الشام والعراق، وعممت عربيا، حيث كانت إحدى أهم أسس عملها ومعالجتها للموضوع الكردي، إخفاء الحقائق، وشطب كل ما هو متعلق بالأكراد، بدءا بالتاريخ وصولا إلى الجغرافيا مرورا بالسكان.
لقد توجت سياسة التجهيل والتزييف المعرفي هذه بممارسات عملية، بدأت بإقصاء الكرد عن المناصب العسكرية الذين كانوا يشغلونها منذ أواخر العهد الأموي، وكذلك إبعادهم عن الإدارات، وبعض مفاصل الحكم التي اكتسبوها عبر التاريخ في بلاد الشام والعراق ومصر.
فإذا كان هذا هو الخط العام لعمل قنوات الإعلام وسياسات بعض المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية، فليس مستغرباً أن لا يعرف العامة، بل المثقف العربي شيئاً ذا قيمة عن واقع الأكراد الراهن وتاريخهم.
يزيد الموضوع تشويشاً وتعقيداً، أن أغلب المثقفين العرب من إعلاميين وكتّاب بل وباحثين، لم يتعرفوا إلى الأكراد من طريق المصادر العربية الأمّ، وإنما اعتمدوا عند الحاجة على مصادر استشراقية وغربية متواضعة وغير موضوعية في الغالب. وإذا استثنينا بعض الإشارات القديمة لأصل الأكراد، وما ورد عند اليونان، تظل المصادر العربية هي الأساس والأصل في معرفة الأكراد في القرون الوسطى. فالعرب هم أول من ذكر الأكراد كشعب وأمة ودرسوا حياتهم وحددوا جغرافيا بلادهم. لذلك لا بد للمعرفة التاريخية الموضوعية بالأكراد أن تبدأ بالمصادر العربية الأم، التي لم تتأثر بإيديولوجيا محددة ولم تخضع لضغوط سياسية أو تعاميم لوزارات الإعلام المعاصرة. كما أن معظم المعلومات الواردة في المصادر العربية منقولة من مصادر أقدم، أو متأتية من مشاهدات المؤلفين العرب الأوائل أنفسهم. وهي في غاية الإسهاب والتفصيل. سأذكر البعض منها على سبيل التذكير فحسب: تاريخ اليعقوبي. البلاذري في “فتوح البلدان”، المسعودي في “التنبه والإشراف”، و”مروج الذهب”، الدينوري في “الأخبار الطوال”، الطبري في “تاريخ الرسل”، ابن الأثير الجزري في “الكامل في التاريخ”، ابن فضل الله العمري القرشي في “مسالك الأبصار في ممالك الأمطار”، ابن حوقل في “صورة الأرض”، ياقوت الحموي في “معجم البلدان”، أحمد القلقشندي في “صبح الأعشى”، وابن خلدون في “كتاب العبر”.
من المفيد للدارسين، ولمن يبحث عن تفاصيل تاريخية دقيقة، ومعرفة واسعة بالسلالات الحاكمة في كردستان، أن يقرأ كتاب “شرفنامه” للمؤلف الكردي شرفخان بدليسي من أوائل القرن السادس عشر، وكذلك كتاب “خلاصة تاريخ الكورد وكردستان” لمحمد أمين زكي، الذي كتبه مطلع القرن العشرين.
كان أخطر جانب في خطة عدم المعرفة بالأكراد، هو تجاهل دورهم المميز في الحياة السياسية العربية الإسلامية منذ مطلع عهد الخلافة حتى نهاية العهد العثماني بعد دخول الملك فيصل دمشق. لم نصادف دراسة أو بحثاً ذا قيمة حول الفاعلية السياسية الكردية وعلاقتها التفاعلية بالحكم العربي الإسلامي، لأن كل المصادر التاريخية العربية المذكورة أعلاه، تكشف بل تؤكد دور الأكراد المميز اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً في مقاومة الاستبداد، وعدم الرضوخ لظلم الحكام والولاة.
هذه الفاعلية السياسية تستحق التوقف عندها، والتذكير بها. ففي بداية دخول الأكراد المشهد السياسي العربي، شكلوا مخزوناً بشرياً لدعم الفتوحات الإسلامية، وتوجيهها. لذلك كانت مناطق شرق بغداد التي تقع حالياً في غرب إيران، وبخاصة مدينتي حلاوان (حلوان) وهمذان الكرديتين، مفتاحاً لدخول عموم إيران وآسيا الوسطى. كما تبين لاحقاً أن الأكراد شكلوا بيئة اجتماعية لأغلب الصراعات السياسية التي جرت في الدولة العربية الإسلامية، والمتمثلة ظاهريا في الصراع على الحكم، لكنها في العمق كانت مستندة إلى خلفيات فكرية وإثنية ومحلية. لقد تأثر الأكراد وأثروا في هذه الصراعات، منذ لجوء مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية (744 – 750) إلى الشمال، ونقل العاصمة من دمشق إلى بلدة حران جنوب ديار بكر، في محاولة للاستقواء بأهل أمه الأكراد (أم مروان كانت كردية الأصل بحسب “أنساب الأشراف” للبلاذري).
لكن، وكما يستنتج لاحقاً، مالت غالبية الأكراد، وخصوصاً أكراد الشرق في حلوان وقرميز (كرمان شاه) إلى أبي مسلم الخراساني (الكردي الأصل حسب ابن قتيبة) في نحو عام 754، وشكل الأكراد بذلك رافعة لصعود الحكم العباسي الجديد، من طريق دعمهم لأبي مسلم.
وفي عهد المنصور (754- 775) تعاظم نشاط الحركة الخرمية، وهي عقيدة قريبة من المانوية والمزدكية. وعرف الخرميون باسم “الحمر”، والتقت حركتهم مع الحركة الشيعية بقيادة أبي مسلم الخراساني. قاد الخرميين بابك الخرمي ويعتقد انه كردي أيضا. وكان إقليم الجبال احدى البؤر الرئيسية للحركة الخرمية التي كان اغلب سكانها أكراداً. إذ يورد الطبري وابن الأثير معلومات مفصلة عن بابك وعصمت الكردي اللذين ساهما منذ البداية في الانتفاضة الخرمية.
بالقدر نفسه كان للكرد لاحقاً دور فاعل في حركة الزنج، حيث يشير الطبري إلى أن والي خوزستان كان إقطاعياً كردياً يدعى محمد عبيد الله بن آزاد مرد. وبالاستناد إلى أخبار غيره من المؤرخين، كانت لهذا الكردي حاكم خوزستان علاقة سرية بثورة الزنج (868 – 883) منذ بداياتها وكان حليفاً لقائد ثورة الزنج علي بن محمد. وتنازل له عن ولاية خوزستان (عربستان الايرانية الحالية). وكان للكرد لاحقاً مساهمة واسعة في حركة القرامطة.
يمكن الاستنتاج ان الأكراد كانوا يشكلون أغلبية السكان لإقليم خوزستان شمال الخليج، وكذلك لمعظم مناطق شرق العراق الحالي- غرب إيران، ويبدو ان حلوان وهمذان وتوشتا كانت مدنا ذات غالبية كردية تشيعت مبكرا إبان العهد العباسي، وساندت أولى تحركات القرامطة خلال عامي 890/891 في الكوفة وفي عام 900 بدأت حركة ضخمة للقرامطة في سوريا، وخصوصاً بعد موت يحيى بن زكروية، فتزعم الحركة أخوه الحسين الذي كان يلقب بـ”صاحب الشامة”. وقد تركت لنا المصادر التاريخية من العصور الوسطى رسالة مهمة تلقي الضوء على تعاون جعفر بن حميد الكردي حاكم إحدى مقاطعات سوريا الغربية مع ابن زكروية، وهذه الرسالة عبارة عن دعوة أرسلها في عام 901 صاحب الشامة لحليفه الكردي، لكن لم يتضح تماماً من مضمون الرسالة ماهية المنطقة التي يحكمها جعفر بن حميد الكردي. لكن الافتراض بموجب مضمون الرسالة يشجع على الاعتقاد أن المكان كان في منطقة حمص الواقعة غرب سوريا.
هكذا يمكن الاستمرار في السرد التاريخي لبيان الترابط العضوي المجتمعي والسياسي الكردي – العربي خلال قرون عديدة من تاريخ المنطقة، لكن البحث سيطول ويتشعب ويخرج عن هدفه المعرفي المحدد، والمتمثل في التذكير بأهمية المشترك التاريخي والروحي بين العرب والكرد، وقابلية توظيف هذه المساحة من أجل علاقات حسن الجوار، إضافة إلى تصحيح كل التشوهات الإيديولوجية والحزبية التي لحقت بصورة الكرد، تالياً بحقيقة اسس تاريخنا المشترك.
أخيراً لا أجد قولا مناسبا لأختم به ما سبق، أكثر مما ذكره الراحل ادوارد سعيد: “إن المعرفة بمعانيها السياسية والإنسانية ينبغي كسبها لمصلحة العيش المشترك وخير المجتمع، أي مجتمع كان، وليس أعراقا أو قوميات أو طبقات أو أدياناً بعينها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*